استحضر الكاتب والمفكر الطاهر بن جلون تجربته في الكتابة الصحافية من خلال إصداره الجديد “مراسل صحفي حر في جريدة لوموند” ، وذلك خلال لقاء احتضنته قاعة الشريف الإدريسي ضمن البرنامج الثقافي لـمجلس الجالية المغربية بالخارج، في إطار فعاليات الدورة الـ31 من المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط.
وخلال هذا اللقاء، أوضح بن جلون أن الكتاب، الصادر حديثاً عن دار “غاليمار” في نحو 120 صفحة، يرصد مسار ولوجه عالم الصحافة، الذي بدأ بدافع تأمين متطلبات العيش، قبل أن يتحول إلى تجربة مهنية طويلة داخل واحدة من أبرز الصحف العالمية، وهي لوموند.
وأشار الكاتب إلى أنه حين اقترح على هيئة تحرير الجريدة الاشتغال على موضوع “الهجرة والمهاجرين”، قوبل الأمر بنوع من التوجس، في سياق لم يكن فيه هذا الموضوع يحظى باهتمام يُذكر داخل الأوساط الإعلامية أو لدى الرأي العام الفرنسي. غير أن توالي مقالاته ساهم في إبراز أهمية هذا الملف، خاصة في ظل علاقاته المتشعبة مع الجاليات المغاربية، ما مكنه من نقل معاناة المهاجرين، خصوصاً الجيل الأول الذي واجه ظروفاً قاسية من العزلة والهشاشة الاجتماعية.
وفي حواره مع الإعلامي عبد الله الترابي، استعرض بن جلون أبرز محطات مساره داخل “لوموند”، الذي امتد لأزيد من أربعة عقود (1973-2011)، تدرج خلالها في عدة أقسام وهيئات تحرير، من بينها الصفحات الدولية و“Le Monde diplomatique”، مشيراً إلى أن تجربته الصحافية قامت على المزج بين الممارسة المهنية والتأمل في طبيعة الكتابة والذاكرة، إلى جانب رصد تحولات الصحافة الفرنسية عبر الزمن.
وتوقف المتحدث عند محطة بارزة في مساره، حين كُلف بتغطية موسم الحج، باعتباره الصحافي المسلم الوحيد القادر على إنجاز هذه المهمة. وأوضح أنه تناول في مقالاته جوانب إيجابية وأخرى نقدية، ما أثار ردود فعل متباينة، غير أن المفاجأة تمثلت في إشادة السلطات السعودية بملاحظاته واعتبارها ذات قيمة في تحسين التنظيم.
وعن رؤيته للتحولات التي يشهدها المغرب، ومواقف بعض النخب الفرنسية، اعتبر بن جلون أن جزءاً من اليسار الفرنسي لا يزال أسير تصورات تقليدية متجاوزة، مؤكداً في المقابل اعتزازه بما يحققه المغرب من تقدم، ودفاعه عن النموذج المؤسسي للمملكة باعتباره خياراً مجتمعياً، مع إقراره بوجود تحديات داخلية تستدعي مزيداً من الجدية والالتزام بقيم المواطنة واحترام القانون.
ويُعد الطاهر بن جلون من أبرز رواد الكتابة المغاربية باللغة الفرنسية، حيث راكم مساراً أدبياً غنياً يشمل الرواية والقصة والشعر. ومن أشهر أعماله رواية “ليلة القدر” التي نال عنها جائزة “غونكور”، إلى جانب أعمال أخرى مثل “تلك العتمة الباهرة” و“حرودة” و“صلاة الغائب”. كما عُرف بمواقفه المنتقدة للعنصرية في أوروبا، معتبراً إياها نتيجة مباشرة لفشل سياسات إدماج المهاجرين.
وتعود بداياته إلى مدينة فاس، قبل أن يتابع دراسته في طنجة ثم الرباط، حيث تخصص في الفلسفة، لينتقل إلى فرنسا سنة 1971، حيث حصل على الدكتوراه في الطب النفسي الاجتماعي، ويبدأ مساره المهني كصحافي حر، موازاة مع مسيرته الأدبية التي كرسته كأحد أبرز الأصوات المغربية في الساحة الثقافية الدولية.
ع.ح/ح
