جمال المحافظ: بفضل التحولات التكنولوجية الهائلة، وتحديات الثورة الرقمية ورهانات الذكاء الاصطناعي، يلاحظ في الآونة الأخيرة اهتمام واسع ب” اقتصاد الانتباه” الذى تحول في ظل العصر الرقمي وزمن اللايقين إلى براديغم ونموذج اقتصادي، بسط هيمنته على مختلف التطبيقات الحديثة.
وأدت ثورة المعلومات إلى ندرة شيء آخر، أي ندرة كل ما تستنفذه تلك المعلومات، وهو الاهتمام وانتباه الأفراد المفهوم الذي يعود الفضل في استعماله لأول مرة سنة 1971، الاقتصادي الأمريكي هربرت سيمون Hebert A. Simon الذي أوضح أن وفرة المعلومات تعني ندرة ما تستهلكه هذه المعلومات، وهو انتباه المتلقي.
وإذا كان ” اقتصاد الانتباه Attention Economy ” أو ” اقتصاد جذب الانتباه”، أصبح ” سلعة نادرة”، فإن “تشتيت الانتباه” الذي تخلقه وفرة المعلومات بحاجة إلى تحقيق التوافق بين الاهتمام والوفرة في المعلومات، أو بمعنى آخر، السعي لجذب الانتباه واستثماره لفترة أطول، وهو ما جعل “الثروة في عصرنا الراهن لم تعد تُقاس فقط بالنفط أو رأس المال أو الإنتاج الصناعي، بل أصبح ” الانتباه” من بين أهم المصادر الاقتصادية في العهد الرقمي التي يتعين استغلالها، والاستفادة منها “خيراتها” من أجل التأثير في الرأي العام وتوجيهه.
زمن اللايقين
بيد أن “اقتصاد الانتباه” في عصر الثورة الرقمية المثخن بالعدد الهائل من “المعطيات والمعلومات” في زمن اللايقين، جعل المحتوى يتنحى عن الصدارة ليحل محله “اقتصاد الانتباه” الذى تحول إلى العنصر الأهم، ونتج عنه تنافس محموم ما بين وسائط التواصل والانترنيت وشركات الإعلان والإشهار بهدف إحكام السيطرة على ” على مجال “جذب الانتباه” لتحقيق أرباح طائلة.
وإذا كان الانتباه بصفة عامة يعد أعز ما يمكن أن يملكه الأفراد، وهو ما يتطلب أن يبقى خارج الاستحواذ والتنافس التجاري، رغم ما يلاحظ من التدفق المتواصل للمعلومات التي أصبحت متاحة للجميع واستفحال ظاهرة التنبيهات التي يتوصل بها كل مرتبط بالإنترنيت بدون استئذان كظل، وهو ما يكون عاملا مساهما في تشتت الانتباه الذى يضعف القدرة على التركيز يرافق ذلك استهلاك مفرط للمحتوى الذى يؤدى إلى عدة سلبيات منها ” الإرهاق العقلي”.
وعي ومقاومة
في ظل هكذا وضع فهناك من يدعو إلى وضع ” استراتيجيات للمقاومة والوعي “مع القيام ب” حملات للتحسيس والتوعية” من أجل استعادة المبحرين في الشبكة العنكبوتية لانتباههم، وذلك عبر اعتمادات تدابير من قبيل تقليص عدد الإشعارات، وتحديد أوقات زمنية لاستخدام الألواح والشاشات، والتوقف عن متابعة المواقع والحسابات التي تستهلك الانتباه دون تحقيق أية فائدة وذلك لتفادى التنافس القائم ما بين شركات الإعلانات من أجل الاستحواذ على انتباه المستهلكين لموادها.
وفي ظل هيمنة التكنولوجيات الحديثة على الفضاء العام، أضحت وسائط التواصل الاجتماعي، تستحوذ بشكل أكبر على انتباه الأفراد طيلة الوقت وتحول بذلك هذا النوع الجديد من الاقتصاد إلى سلعة قابلة للاستثمار.
ونتيجة ذلك، تحول عدد من “مؤثري الوسائط إلى تجار انتباه أكثر منهم صناع معرفة”، وأصبح الجمهور يشكل”مادة خام” للمشاهدات والإعلانات. لكن المفارقة هنا –حسب بعض الآراء – تتمثل في أن هذا النوع من المحتوى بإمكانه أن يحقق قيمة اقتصادية ضخمة رغم ضحالته المعرفية، لأن معيار النجاح في اقتصاد الانتباه لا يرتبط دائماً بجودة المحتوى، بل بقدرته على إبقاء المستعمل أطول فترة ممكنة داخل المنصة.
إضعاف التركيز
ويساهم التشتيت المستمر للانتباه، في إضعاف التركيز، ويؤدى الى تراجع القراءة، ويضاعف بالمقابل النزعة الاستهلاكية والانفعال اللحظي مع منتوج “اقتصاد الانتباه” الذي يتعامل مع الأفراد وبياناتهم الخاصة كسلعة مهمة يجرى تجميعها والقيام بتحليلها، واحتكارها عبر الخوارزمات والمنصات الرقمية بهدف توجيه سلوك المستخدمين وتعظيم وقت بقائهم مرتبطين بالشبكة العنكبوتية، لتحقيق أكبر مكاسب في مجال الاشهار والتجارة.
وفي ظل العصر الرقمى لهذا “الاقتصاد” الذى يوصف ب” الخفي”، يمكن الجزم، بأن المشكلة لا تكمن في التكنولوجيا، بل في كيفية توظيفها. كما يمكن أن يتحول “اقتصاد الانتباه” إلى قوة إيجابية، شريطة ان يعاد توجيهه لفائدة الارتقاء بمجتمع المعرفة والثقافة والتربية والتعليم والإعلام، مع الحرص على أن يتضمن المحتوى الرقمي أخبارا ومعلومات غير مضللة، ومن مصادر موثوقة مع تفادى الترويج للتفاهة والتبصير.
تسليع الانتباه
وخارج ” تسليع الانتباه”” ، فإن التكنولوجيا الجديدة ساهمت في تغيير العادات والعلاقات الاجتماعية، والتأثير في المعرفة وطرق الترفيه كذلك، أصبحت التقنيات الرقمية بذلك، تمس بالحياة الشخصية والهويات وتؤثر على العلاقات الاجتماعية. إن العالم اليوم أمام ثورة صناعية ثالثة مرتبطة بتنمية تكنولوجيا الإعلام والتواصل، وذلك بعد ثورة صناعية أولى ارتكزت على تطور الآلة البخارية والسكة الحديدية، تلتها ثورة ثانية اعتمدت على استغلال الكهرباء والبترول.
بيد أنه على المستوى الوطني، يلاحظ بأنه بقدر ما يسجل اقبالا متزايدا على التكنولوجيا، خاصة فئة الشباب، بقدر ما يلاحظ توجسا مبالغ فيه، بدعوى الاستخدام السيء لهذه التكنولوجيات الحديثة التي لا يعد استعمالها انعكاس للاستعمال الذي يقوم به المرء، وبالتالي لا يمكن أن تحلل الثورة الرقمية بمعزل عن الفاعلين الذين يمتلكونها.
اقتصاد خفي
وإذا كان العالم الرقمي، يشكل وسيلة للتحرر في نفس الوقت أداة للهيمنة، فإن التحديات التي تواجه الفاعل الصحافي والاعلامي تفرض عليه التعامل بواقعية مع الاشكالات التي تطرحها وسائط الاعلام والاتصال، على المستويات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والتشريعية والتنظيمية والتقنية، مع استحضار المتغيرات الرقمية بتحويلها الى وسيلة إيجابية للارتقاء بمستوى الأداء الاعلامي.
وفي ظل زمن اللايقين، فإن وسائل الاعلام والاتصال لم تعد – كما كانت سابقا – المؤثر الرئيس في عملية تشكيل توجهات الرأي العام والتأثير فيه، وهو ما يتطلب البحث عن السبل الكفيلة لضمان المعالجة المهنية المثلى للكم الهائل الرائج في العصر الراهن من المعلومات التي أصبحت متاحة للجميع، لكن مع توظيفها بدقة واحترافية.
أخطر الحروب
إن الإعلام الذي هو في الأصل فرع من فروع الثقافة، بإمكانه في حالة تأهيله، أن يضطلع بدور أساسي علاوة على مواجهة “الفوضى الرقمية” التي توصف بأنها ” أخطر حروب العصر على وعي المجتمعات وأمن الدول …ليس فقط بسبب كثرة النشر أو سرعة تداول الأخبار، بل نتيجة ما تحمله بعض المنصات من تحريض وافتراءات واستفزاز وتشويه للحقائق”، في تحقيق التكامل مع الصناعاتالاعلامية و الإبداعية والمعرفية، وكذا الإسهام في حماية الهوية وفي الإشعاع الحضاري.
وإذا كانت ” الثورة الرقمية ثورة ثقافية”: كما جاء في كتاب بنفس العنوان ” Révolution Numérique Révolution culturelle ” للفرنسي ريمي ريفيل استاذ علم اجتماع الاعلام بجامعة باريس الثانية، فإن التغيير المنشود في هذا المجال، يحدث عبر مناهج بيداغوجية ومقاربات متعددة الأبعاد، مع العمل على إدراج التربية على ميديا الإعلام في البرامج الدراسية منذ المرحلة الابتدائية كما هو شأن التربية الوطنية، مع إرفاق ذلك بسياسة عمومية في مجال الإعلام والاتصال مندمجة.


