من “التريبورتور” إلى “الجرار”.. هل يعيد لقجع ترتيب القيادة داخل حزب الأصالة والمعاصرة؟!

لم تكن الدورة الثانية والثلاثون للمجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة، المنعقدة يوم السبت 25 يوليوز 2026 بمدينة سلا، مجرد محطة تنظيمية لعرض البرنامج الانتخابي استعدادا لتشريعيات 23 شتنبر المقبل، ولا مناسبة عادية للإعلان عن التحاق أسماء جديدة بالمكتب السياسي، فما جرى داخل قاعة المؤتمر، وما رافقه من إشارات وحركات وتصريحات، فتح الباب أمام قراءة سياسية تتجاوز لحظة الترحيب بفوزي لقجع وينجا الخطاط، لتطرح أسئلة بشأن مستقبل قيادة “الجرار”  والتوازنات الجديدة داخله.

كان فوزي لقجع، من دون منازع، نجم هذه الدورة، فمنذ لحظة وصوله إلى قصر المؤتمرات، بدا أن الرجل لا يدخل الحزب بالطريقة التي يدخل بها عضو جديد يفترض أن يلتزم موقع الانتظار ويتلقى تعليمات القيادة، بل حلّ باعتباره اسما سياسيا وازنا يحمل معه تجربته وشبكة علاقاته وحضوره داخل مؤسسات الدولة.

ووصول لقجع على متن سيارة مغربية الصنع من طراز “نيو موتورز”، كان يقودها محمد المهدي بنسعيد، عضو القيادة الجماعية للحزب، لم يكن مجرد تفصيل بروتوكولي عابر، فالسياسة تُقرأ أحيانا من خلال الصور قبل الخطب، وقد حمل ذلك المشهد أكثر من رسالة إلى داخل الحزب، خصوصاً أن بنسعيد أحد أضلاع القيادة الثلاثية إلى جانب فاطمة الزهراء المنصوري وصلاح الدين أبو الغالي.

لقد بدا لقجع لحظة دخوله منتشياً بالاستقبال الذي خصه به أعضاء المجلس الوطني، وسط اهتمام إعلامي لافت، حتى تحول من عضو جديد إلى الشخصية التي استقطبت الأنظار داخل القاعة، وهو ما دفع فاطمة الزهراء المنصوري إلى مخاطبته، بنبرة جمعت بين المزاح والتنبيه السياسي، بالقول إنه سرق منها الأضواء لأول مرة، قبل أن تشدد على ضرورة «الانضباط» للقرارات الحزبية.

قد تُقرا العبارة باعتبارها مداعبة سياسية عفوية أمام الحضور، لكنها، في سياق اللحظة، بدت أقرب إلى رسالة استباقية موجهة إلى الوافد الجديد: الحزب يرحب بقيمتك السياسية، لكن القيادة تذكّرك بأن الانضمام إلى التنظيم يقتضي الخضوع لقواعده وقراراته.

غير أن السؤال الذي فرض نفسه هو: من سيضبط إيقاع من؟ هل سينضبط لقجع لقرارات القيادة الثلاثية مثل أي عضو آخر، أم أن حضوره سيعيد تدريجياً تشكيل مراكز القرار داخل الحزب؟

الفرق كبير بين التحاق إطار حزبي عادي ودخول شخصية من وزن فوزي لقجع، راكمت نفوذاً مؤسساتيا وحضورا رياضيا وماليا ودوليا. فاللقاء لم يقدم صورة عضو يبحث عن موقع داخل التنظيم، بل صورة رجل يبدو أن الحزب نفسه يعول عليه لمنحه قوة إضافية في السباق الانتخابي المقبل.

أما التحاق ينجا الخطاط، رئيس جهة الداخلة ـ وادي الذهب، فلا يقل أهمية من الناحية الانتخابية والتنظيمية، لانه يمنح “الجرار” ثقلا إضافيا في الأقاليم الجنوبية، ويعزز موقعه داخل جهة ذات رمزية استراتيجية. غير أن الأضواء التي رافقت لقجع جعلت حضور الخطاط يبدو أقل صخبا، رغم قيمته السياسية والانتخابية.

ومن بين اللحظات التي أثارت الانتباه أيضا حديث لقجع مع سمير كودار، قبل ان يقدم الأخير لائحة الترشيحات، ليترك المجال مفتوحاً بشأن دائرة بركان وعدم الحسم العلني في اسم مرشحها. وهي إشارة غذت التكهنات حول احتمال دخول لقجع غمار الانتخابات التشريعية من مدينته، من دون أن يتحول ذلك، إلى حدود الساعة، إلى إعلان رسمي.

بيد ان مغادرة لقجع قبل انتهاء الاشغال بدورها كانت قابلة لأكثر من قراءة؛ فقد تكون مرتبطة بالتزام سابق، وقد تكون رسالة مقصودة مفادها أن حضوره في هذه المرحلة لا يعني ذوبانه الكامل داخل الترتيبات التنظيمية القائمة. وفي غياب توضيح رسمي، يبقى تفسير هذه الحركة في دائرة التحليل، لا في نطاق الوقائع المحسومة.

ومن يتابع مسار حزب الأصالة والمعاصرة منذ تأسيسه قبل نحو 18 سنة، يدرك أن التنظيم مر بمراحل متقلبة، وانتقل من قيادة مركزية قوية إلى تجارب متعددة في تدبير القرار. وقد أفرز المؤتمر الوطني الأخير صيغة القيادة الجماعية الثلاثية، التي شبهها بعض المتابعين بـ”التريبورتير” ذي العجلات الثلاث، في مقابل “الجرار” المعروف بقوته وتوازنه وقدرته على حرث الأرض.

دخول لقجع يعيد اليوم طرح سؤال السائق والعجلات: “هل يستمر الحزب بقيادة ثلاثية تتقاسم القرار، أم أن المرحلة المقبلة ستفرز مركز ثقل جديد يعيد “الجرار” إلى صيغته التقليدية، بأربع عجلات وسائق واحد؟

لا يعني ذلك أن لقجع سيتولى قيادة الحزب غدا، ولا أن القيادة الحالية انتهى دورها، لكن حجم الاستقبال الذي حظي به والطريقة التي تم بها تقديمه والاهتمام الذي أثاره تؤكد أن وجوده لن يكون عدديا أو شرفيا. فهو إما أن يتحول إلى رافعة انتخابية وسياسية للمشروع القائم، أو يصبح مع مرور الوقت قطبا يعيد ترتيب موازين القوى داخله.

وفي الجهة المقابلة، لا يمكن فصل ما وقع في سلا عما جرى في اليوم نفسه بمدينة الداخلة، حيث ظهر عزيز أخنوش في اجتماع حزبي بنبرة سياسية حادة. فالخطاب لم يكن دفاعاً عن حليفه نزار بركة بعد انتقال ينجا الخطاط من الاستقلال إلى الأصالة والمعاصرة بقدر ما كان محاولة لملء الفراغ الذي خلفه رحيل رئيس الجهة، والرد في الوقت نفسه على الرسائل السابقة التي وجهها زعيم الاستقلال إلى التجمع الوطني للأحرار تحت عنوان مواجهة “الفراقشية“.

كما يمكن قراءة تحركات أخنوش في الداخلة باعتبارها محاولة لتوجيه “قرصة” سياسية إلى لقجع، الذي شكل طوال الولاية الحكومية رقماً صعباً داخل الجهاز التنفيذي، ولم تكن علاقته برئيس الحكومة خالية من التباينات. غير أن ما كان ممكناً تدبيره داخل الحكومة قد يصبح أكثر تعقيداً عندما يتحول لقجع إلى فاعل حزبي داخل تنظيم ينافس على صدارة انتخابات 2026.

الدورة الثانية والثلاثون للمجلس الوطني لـ”البام” انتهت تنظيمياً، لكنها أطلقت سياسياً مرحلة جديدة. فالحزب الذي دخلها بقيادة جماعية ثلاثية خرج منها بوافد قوي قد يضيف إليه عجلة رابعة، وربما يطرح لاحقاً سؤال السائق أيضاً.

فهل يستعيد “الجرار” قوته للمشاركة في “ثويزة” الحرث الانتخابي يوم 23 شتنبر، أم تستمر تجربة “التريبورتور” وسط تنازع المقود؟ ذلك ما ستجيب عنه الشهور المقبلة، لأن السياسة، كما يقال، “ناعورة” تدور وتدور، ومن كان في موقع القيادة اليوم قد يجد نفسه غداً مجرد راكب!.

ح.ا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.