تونس فوق صفيح ساخن.. هل تعيد الأزمة الخانقة سيناريو الاحتجاجات التي أطاحت بنظام بن علي؟!

تعيش تونس واحدة من أكثر مراحلها الاقتصادية والاجتماعية تعقيدا منذ سنوات، في ظل تداخل أزمة المالية العمومية مع ضعف النمو والاستثمار، وارتفاع البطالة والأسعار، وتراجع قدرة الدولة على تمويل حاجياتها، وهي مؤشرات تعيد إلى الأذهان الأجواء المشحونة التي سبقت احتجاجات 2010، التي انطلقت عقب حادثة محمد البوعزيزي وانتهت بمغادرة الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي البلاد.

وفي هذا السياق، دق قسم الدراسات والتوثيق بالاتحاد العام التونسي للشغل ناقوس الخطر، مؤكدا في وثيقة حديثة أن الإصلاحات الاقتصادية الكبرى لن تحقق أهدافها في غياب توافق وطني واسع يضم الحكومة والمركزية النقابية والمنظمات المهنية، وفي مقدمتها الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة، إلى جانب مكونات المجتمع المدني.

واعتبرت الوثيقة، التي حملت عنوان «تونس أمام مفترق الطرق: التحديات الكبرى ومفاتيح الخروج من الأزمة»، أن الاقتصاد التونسي يمر بإحدى أكثر مراحله تعقيدا خلال العقد الأخير، بعدما أصبحت الاختلالات تمس أسس النموذج الاقتصادي نفسه، خاصة في مجالات المالية العمومية والطاقة والتضخم والاستثمار ومعدلات النمو.

وتبرز أزمة المالية العمومية في مقدمة المخاطر المحدقة بالبلاد، إذ أشار الاتحاد العام التونسي للشغل إلى تجاوز الدين العمومي 82 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، بالتزامن مع استمرار عجز الميزانية وتقلص هامش تدخل الدولة لمعالجة الاختلالات الاجتماعية ودعم الفئات المتضررة.

وزاد تعثر المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، منذ نهاية سنة 2022، من تعقيد الوضع، بعدما تقلصت فرص تونس في الحصول على تمويلات خارجية بشروط ميسرة، ما دفع الحكومة إلى توسيع دائرة الاقتراض الداخلي ضمن سياسة «التعويل على الذات». غير أن هذا التوجه يضع ضغطا متزايدا على السيولة المتوفرة لدى البنوك، وقد يحد من قدرتها على تمويل المقاولات والاستثمار الخاص.

وتؤكد الأرقام الرسمية استمرار هشاشة الوضع الاجتماعي، رغم بعض مؤشرات التحسن النسبي، إذ بلغ معدل البطالة 15 في المائة خلال الفصل الأول من سنة 2026، بينما استقر التضخم عند 5.3 في المائة خلال يونيو، بحسب المعهد الوطني للإحصاء التونسي. وسجل الاقتصاد نموا بنسبة 2.6 في المائة خلال الفصل الأول، غير أن هذه النسبة تظل غير كافية لإحداث تحول ملموس في التشغيل والقدرة الشرائية. 

ولا تقف الأزمة عند حدود الاقتصاد، بل تتقاطع مع احتقان سياسي واجتماعي واتساع رقعة الاحتجاج على ارتفاع كلفة المعيشة وتراجع بعض الخدمات العامة. وقد شهدت تونس خلال يوليوز احتجاجات على خلفية انقطاعات الماء والكهرباء، بينما خرجت مظاهرات سياسية في العاصمة بالتزامن مع مرور خمس سنوات على الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها الرئيس قيس سعيّد في 25 يوليوز 2021. 

وتكمن خطورة الوضع في اجتماع الضائقة الاقتصادية والبطالة والشعور بانسداد الأفق مع تراجع قنوات الوساطة والحوار. فالتجربة التونسية أظهرت أن شرارة اجتماعية محدودة قد تتحول إلى احتجاجات واسعة عندما تجد أرضية مهيأة بالغضب واليأس وفقدان الثقة في المؤسسات.

غير أن مقارنة الوضع الراهن بأحداث 2010 لا تعني أن تونس تتجه حتما إلى السيناريو نفسه، فالسياقات السياسية والإقليمية تغيرت، كما أن موازين القوى داخل المجتمع والدولة لم تعد كما كانت. ومع ذلك، فإن تجاهل الإنذارات الاجتماعية أو محاولة تمرير إصلاحات مؤلمة من دون توافق وضمانات لحماية الفئات الهشة قد يدفع البلاد نحو مزيد من التوتر.

وتبدو تونس اليوم بالفعل أمام مفترق طرق: “إما فتح حوار وطني جدي يوازن بين الإصلاح الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، ويوزع كلفة الأزمة بصورة منصفة، أو الاستمرار في إدارة الضائقة بالحلول المؤقتة والاقتراض الداخلي”. وفي الحالة الثانية، قد يصبح الاحتقان المتراكم أكبر من قدرة المؤسسات على احتوائه، لأن الشعوب قد تتحمل صعوبة العيش زمنا، لكنها لا تتحمل طويلا غياب الأمل.

ح/ح

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.