المركز المغربي للتطوع والمواطنة يثمّن حضور التطوع في برامج الأحزاب ويدعو إلى تحويل الوعود الانتخابية إلى سياسة عمومية
ثمّن المركز المغربي للتطوع والمواطنة تنامي حضور العمل التطوعي ضمن البرامج الانتخابية للأحزاب السياسية المشاركة في الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، معتبراً أن هذا التطور يعكس انتقال التطوع تدريجياً من مجرد ممارسة مدنية وجمعوية إلى قضية مرتبطة بالسياسات العمومية والتنمية والمشاركة المواطنة.
وأوضح المركز، في بلاغ له، أن قراءة البرامج الانتخابية كشفت تفاوتاً في مستوى اهتمام الأحزاب بالتطوع، بين برامج تضمنت إجراءات واضحة ومحددة، وأخرى اكتفت بإشارات عامة أو غير مباشرة، فيما غاب الموضوع بصورة كاملة عن بعض البرامج.
وسجل المركز أن حزب الاستقلال أدرج ضمن الإجراء رقم 23 برنامجاً بعنوان «رواد التنمية للخدمة المدنية التطوعية»، يقضي بإحداث برنامج وطني يتيح للشباب الانخراط، لمدة سنة أو سنتين، في مشاريع تنموية بالمناطق القروية وشبه الحضرية، في مجالات التعليم والصحة والتأطير المدني، مقابل تعويض شهري وإمكانية الاستفادة من منحة لتمويل الدراسة بعد استكمال الخدمة.
أما حزب العدالة والتنمية، فقد تضمن برنامجه، وفق البلاغ، الإجراء رقم 7 المتعلق بإحداث برنامج وطني للتطوع ومنصة وطنية للفرص التطوعية، إلى جانب الإجراء رقم 17 القاضي بإقرار الخدمة المدنية التطوعية ودعم الجمعيات العاملة في هذا المجال.
من جهته، التزم حزب التقدم والاشتراكية، ضمن الالتزام رقم 5، بإرساء خدمة مدنية وطنية طوعية ومؤدى عنها لفائدة الشباب، في حين اقترحت الحركة الشعبية، في الإجراء رقم 34، تعميم النوادي الثقافية والتطوعية والرياضية داخل المؤسسات التعليمية، وجعل الأنشطة الموازية جزءاً أساسياً من الحياة المدرسية، بما يعزز قيم المواطنة والعمل الجماعي وروح المبادرة والمسؤولية.
وسجل المركز حضوراً وصفه بـ«الرمزي» للتطوع في برنامج الاتحاد الدستوري، حيث ورد الموضوع في صفحة واحدة من أصل 51 صفحة، ضمن رؤية الحزب لـ«مغرب السرعة الواحدة»، الرامية إلى تقليص الفوارق المجالية وتنشيط المرافق الرياضية والثقافية المحلية وإدماج الفئات الهشة. كما تطرق البرنامج إلى تعثر تفعيل المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي.
وبخصوص حزب الأصالة والمعاصرة، أشار البلاغ إلى أن برنامجه اعتبر العمل التطوعي رافعة استراتيجية للتنمية الترابية والعدالة الاجتماعية، واقترح تشجيع «التطوع الخدماتي التنموي» في صفوف خريجي الجامعات وحملة الشهادات، وربط المبادرات التطوعية باكتساب الخبرة الميدانية وتعزيز قابلية التشغيل.
أما حزب التجمع الوطني للأحرار، فتمحورت رؤيته، بحسب المركز، حول تفعيل الإطار المؤسساتي والقانوني للتطوع التعاقدي، ودعم انخراط المتطوعين في أوراش الخدمات الاجتماعية والرعاية الميدانية، مع إقرار آليات للاعتراف بالتجربة التطوعية وتثمينها ضمن المسار المهني.
في المقابل، سجل المركز خلو برنامج حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية من إشارات مباشرة إلى المجتمع المدني والعمل التطوعي والديمقراطية التشاركية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، معتبراً أن أقرب ما يمكن ربطه بصورة غير مباشرة بهذه المجالات يتمثل في الالتزام رقم 19 المتعلق بإحداث مرافق ثقافية جديدة، والالتزام رقم 15 الخاص بإدماج الشباب من زاوية اقتصادية.
واعتبر المركز أن هذا الحضور المتفاوت لموضوع التطوع يظل مؤشراً إيجابياً على تنامي الوعي السياسي بأهميته، كما يتقاطع مع عدد من المقترحات التي ظل يدافع عنها منذ تأسيسه سنة 2013، بهدف جعل التطوع رافعة للتنمية المستدامة والمواطنة الفاعلة والديمقراطية التشاركية.
وربط البلاغ هذه الدينامية بمخرجات الندوة الوطنية التي نظمها المركز في 6 نونبر 2025 بمدينة الدار البيضاء، بمناسبة الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء، تحت عنوان «نحو سياسة عمومية مندمجة للتطوع: من الرؤية الملكية إلى التنزيل المؤسساتي».
وشارك في هذه الندوة ممثلون عن عدد من الأحزاب، من بينها الاستقلال والعدالة والتنمية والتقدم والاشتراكية والحركة الشعبية والاتحاد الدستوري والأصالة والمعاصرة، إلى جانب فاعلين سياسيين ومدنيين، حيث ناقش المشاركون واقع العمل التطوعي وسبل الانتقال به من مبادرات متفرقة إلى سياسة عمومية متكاملة وفعالة.
كما توج المركز مساره الترافعي بتوجيه مذكرة إلى الأحزاب السياسية بمناسبة انتخابات 23 شتنبر 2026، دعا فيها إلى جعل العمل التطوعي أولوية داخل البرامج الانتخابية والسياسات العمومية المقبلة. وشدد، في الوقت نفسه، على أنه لا يمكن الجزم بوجود علاقة سببية مباشرة بين مرافعاته والمقترحات الواردة في برامج الأحزاب، لكونها تعبر أساساً عن اختيارات وتوجهات كل تنظيم سياسي.
واستحضر المركز التوجيهات الملكية الداعية إلى تثمين العنصر البشري وإشراك الشباب في مسار التنمية وتشجيع العمل التطوعي والجمعوي، ومن بينها الدعوة الواردة في خطاب افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثالثة من الولاية التشريعية العاشرة إلى «تبسيط المساطر لتشجيع مختلف أشكال التبرع والتطوع والأعمال الخيرية».
وأكد أن السنوات الأربع المقبلة ستعرف تداخل عدد من الأوراش والاستحقاقات التي تجعل إطلاق منظومة وطنية للتطوع مسألة استراتيجية، وفي مقدمتها الانتخابات التشريعية لسنة 2026 والاستحقاقات الجماعية لسنة 2027، وما سيرافقهما من إعادة تشكيل للبرامج والسياسات العمومية الوطنية والترابية.
وتشمل هذه الرهانات أيضاً استعداد المغرب لتنظيم كأس العالم لكرة القدم سنة 2030، بما يتطلبه ذلك من تعبئة عشرات الآلاف من المتطوعين، إلى جانب أوراش التأهيل الترابي المندمج والجيل الجديد من برامج التنمية الترابية، والحاجة إلى بناء منظومة تطوعية قادرة على دعم استجابة المجتمع للكوارث الطبيعية والأزمات والتحديات الطارئة.
وشدد المركز على أن إدراج التطوع في البرامج الانتخابية يجب أن يكون بداية لمسار عملي، وليس غاية في حد ذاته، من خلال ترجمة الالتزامات الحزبية إلى إجراءات واضحة وقابلة للتنفيذ والقياس والتقييم، ومدعومة بالموارد المالية والبشرية والآليات المؤسساتية الضرورية.
وأضاف أن الرهان لا يقتصر على ترديد مفهوم التطوع داخل الخطاب السياسي، بل يتمثل في الانتقال من الاعتراف بأهميته إلى بناء سياسة عمومية مندمجة تقوم على التأطير والتكوين والتمويل والتنسيق والرقمنة والاعتراف بالتجارب التطوعية وتقييمها.
ودعا المركز الأحزاب السياسية والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية والجامعات والمجتمع المدني والقطاع الخاص إلى الانخراط في ورش وطني مشترك حول التطوع، بما يتيح توحيد الجهود وتثمين الرأسمال البشري الذي تزخر به المملكة.
وأكد، في ختام بلاغه، أن التطوع لا ينبغي أن يظل تعبئة ظرفية مرتبطة بالمناسبات والتظاهرات الكبرى، بل يجب أن يتحول إلى خيار تنموي ومجتمعي مستدام، يستثمر في الشباب، ويعزز التضامن والثقة والمشاركة المجتمعية، ويدعم التنمية الترابية ويرفع قدرة المجتمع على مواجهة الأزمات والتحولات المستقبلية، في إطار بناء مغرب أكثر عدالة واندماجاً وتوازناً بين مختلف جهاته ومجالاته.
