عيد الأضحى بين رمزية الرحمة.. وجشع “الشناقة” !!

في كل مناسبة عيد الاضحى، يعود الى الواجهة النقاش حول الدلالات العميقة لقصة سيدنا ابراهيم عليه السلام، باعتبارها تجسد معاني الطاعة والايمان في الوعي الديني والإنساني.

غير ان المفارقة التي تفرض نفسها اليوم، ليست في استحضار مشهد الذبح والفدية، بل في ذلك الشعور المتزايد لدى فئات واسعة من المواطنين بانهم يعيشون، بشكل يومي، تحت ضغط اجتماعي واقتصادي خانق يجعلهم اقرب الى ضحايا “ذبح” معيشي متواصل

فسيدنا ابراهيم عليه السلام، وهو يمتثل لامر الله، لم يكن مدفوعا بالقسوة او الرغبة في التضحية بابنه، بل كان يخوض امتحانا الاهيا انتهى برحمة عظيمة وفداء كريم، ليبقى الدرس الاسمى في القصة هو انتصار الرحمة على الالم، والحياة على الموت، والفرج بعد الشدة.

 لكن واقع الحال اليوم يكشف ان كثيرا من الاسر المغربية باتت تواجه امتحانات يومية لا تنتهي بفداء ولا تخفيف، بل تتجدد مع كل موجة غلاء، وكل ارتفاع في الاسعار، وكل تراجع في القدرة الشرائية.

لقد اصبح المواطن البسيط يعيش تحت ضغط متزايد بسبب الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة، سواء تعلق الامر باسعار المواد الغذائية الاساسية، او اللحوم والخضر، او النقل، او العلاج، او التعليم، في وقت لم تعد فيه المداخيل قادرة على مجاراة هذا الارتفاع المتسارع، وتحولت المناسبات الدينية والاجتماعية، التي كانت تشكل فضاءات للفرح والتضامن، الى مصدر قلق وحسابات مرهقة بالنسبة للعديد من الاسر التي تخشى العجز عن تلبية ابسط المتطلبات.

وفي خضم هذه الاوضاع، برزت فئة من المضاربين والوسطاء الذين وجدوا في الازمات فرصة لتضخيم الارباح عبر الاحتكار ورفع الاسعار بشكل غير مبرر، حيث ان هؤلاء، الذين يصفهم المغاربة بـ”الشناقة”، لا يكتفون باستنزاف القدرة الشرائية للمواطن، بل يساهمون ايضا في ضرب قيم التكافل والتضامن التي يفترض ان تسود داخل المجتمع، خاصة خلال المواسم الدينية التي تقوم في جوهرها على الرحمة والتقاسم والاحساس بمعاناة الاخرين.

واذا كانت قصة سيدنا ابراهيم تحمل رسالة واضحة مفادها ان الطاعة الحقيقية تنتهي بالرحمة والفرج، فان ما يعيشه المواطن اليوم يكشف عن اختلالات اجتماعية واخلاقية عميقة، حين يتحول الانسان البسيط الى الحلقة الاضعف في معادلة السوق والمضاربة والغلاء.

فالمواطن لا يطلب امتيازات استثنائية، بل يبحث عن الحد الادنى من العيش الكريم، وعن سوق منظم يضمن التوازن بين القدرة الشرائية والاسعار، وعن مؤسسات قادرة على حماية المستهلك من جشع المضاربين واستغلال الازمات.

ان الحفاظ على المعنى الحقيقي لعيد الاضحى لا يقتصر فقط على احياء الشعائر، بل يرتبط ايضا بصيانة قيم الرحمة والتضامن والعدل الاجتماعي، فحين يشعر المواطن بالامان الاقتصادي والاجتماعي، يستعيد العيد معناه الانساني الحقيقي، باعتباره مناسبة للسكينة والتازر، لا موسما اضافيا للضغط والمعاناة.

وبين قصة الفدية الالهية التي خلدت انتصار الرحمة، وواقع “الذبح الاجتماعي” الذي يعيشه كثير من المواطنين اليوم، تبقى الحاجة ملحة الى اعادة الاعتبار لقيم الانصاف والرقابة والتضامن، حتى لا تتحول معاناة الناس الى واقع دائم يفقد المناسبات الدينية روحها ومعناها العميق.

عدنان

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.