بين “التفرقيش” و”حروب الكواليس”.. هل تصمد الدولة أمام جشع السياسة والمال..!؟

تعيش الساحة السياسية المغربية، مع اقتراب استحقاقات 2026، على وقع صراعات خفية وعلنية تتجاوز منطق التنافس الديمقراطي الطبيعي، لتتحول في كثير من الأحيان إلى معارك لتصفية الحسابات بين مراكز النفوذ والمصالح. فكلما اقترب موعد الحسم الانتخابي، ارتفعت حرارة “الحروب السياسية” التي تدار خلف الستار، عبر التسريبات، وتحريك الملفات، وإعادة بعث قضايا ظلت لسنوات حبيسة الصمت أو التوافقات المرحلية.

وفي قلب هذه المعادلة، يظهر أن الصراع الحقيقي لم يعد فقط حول من سيفوز بالأغلبية أو من سيقود الحكومة المقبلة، بل حول من سيملك مفاتيح الاطلاع على “العلب السوداء” لسنوات التدبير السابقة، وما قد تحمله من ملفات مرتبطة بتضارب المصالح، ونهب المال العام، واستغلال النفوذ، والصفقات التي راكمت ثروات خيالية في زمن الأزمات الاجتماعية والاقتصادية.

لقد أصبح واضحا أن جزءا من المشهد السياسي يعيش حالة توتر غير مسبوقة، بسبب تخوف بعض الأطراف من وصول وجوه أو تيارات جديدة إلى مواقع القرار، بما قد يترتب عن ذلك من إعادة فتح ملفات ظلت تدبر بمنطق “التوازنات” لا بمنطق المحاسبة. ولهذا، تتحول بعض القضايا إلى أسلحة سياسية تستعمل عند الحاجة، ليس دائما من أجل الحقيقة أو الدفاع عن الشفافية، بل أحيانا لإسقاط الخصوم أو إخضاعهم أو إعادة ترتيب التحالفات.

ومن يتابع تفاصيل ما يروج داخل الكواليس، يدرك أن ما يسمى بـ”القيادات” أو “التحالفات المرحلية” ليست سوى محاولات لإعادة إنتاج النفوذ نفسه بأشكال مختلفة، عبر صناعة واجهات سياسية جديدة، أو الدفع بأسماء تبدو في الظاهر مستقلة، لكنها في العمق تتحرك داخل نفس الدائرة المغلقة للمصالح. وفي المقابل، لا يتردد الطرف المنافس في استعمال ملفات ثقيلة، من قبيل شكايات الانتخابات أو قضايا المخدرات والفساد والصفقات، لقلب الطاولة أو خلط الأوراق قبل موعد 2026.

غير أن أخطر ما في هذه الحروب، ليس فقط تبادل الاتهامات، بل ذلك الإحساس المتزايد لدى المواطن بأن السياسة أصبحت مجالا للاغتناء السريع وتوزيع الامتيازات، أكثر من كونها وسيلة لخدمة الوطن والمواطنين. فحين تتكرر الأحاديث عن احتكار الصفقات، ونهب الأراضي، واستفادة شركات بعينها من مشاريع ضخمة، بينما تعاني فئات واسعة من الغلاء والبطالة وتراجع القدرة الشرائية، فإن الثقة في المؤسسات والعمل السياسي تتعرض لاختبار حقيقي.

ورغم كل هذه الاختلالات، يبقى المغرب صامدا بفضل قوة الدولة وتماسك المجتمع والتشبث العميق للمغاربة بثوابت الأمة، وعلى رأسها المؤسسة الملكية. فالمملكة واجهت عبر تاريخها أزمات ومحطات أكثر تعقيدا، واستطاعت دائما الحفاظ على استقرارها وسط محيط إقليمي ودولي متقلب. لكن استمرار هذا الصمود لا يجب أن يتحول إلى مبرر لاستمرار الفساد أو التطبيع مع اقتصاد الريع واستغلال النفوذ.

ولعل ما قاله الراحل المحجوبي أحرضان قبل سنوات، حول قدرة المغرب على الاستمرار رغم نزيف الأموال والفساد، يحمل دلالة عميقة، لكنه في الوقت نفسه يطرح سؤالا مؤلما: إلى متى يمكن لأي دولة أن تواصل الصمود إذا استمرت بعض النخب في التعامل مع الوطن كغنيمة، ومع السلطة كوسيلة للاغتناء؟

إن المرحلة المقبلة تفرض أكثر من أي وقت مضى إعادة الاعتبار للأخلاق السياسية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتجديد النخب على أساس الكفاءة والنزاهة، لا على أساس الولاءات والمصالح. لأن قوة المغرب الحقيقية لا تكمن فقط في الموانئ والطرق السيارة والمشاريع الكبرى، بل في عدالة توزيع الثروة، وفي شعور المواطن بأن القانون يطبق على الجميع دون استثناء.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل تستوعب بعض النخب أن دوام الحال من المحال، وأن الشعوب قد تصبر طويلا لكنها لا تنسى؟ وهل يدرك تجار الأزمات ومغتنمو الفرص أن التاريخ لا يرحم، وأن عجلة الزمن تدور، وأن الأوطان تبنى بالعدل لا بالخوف، وبالثقة لا بالتحكم؟

 ح.ح

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.