محمد أوزين من حقول الصين .. المغرب يراهن على ثورة فلاحية بالذكاء الاصطناعي

 توقف محمد أوزين، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، وسط الحقول الصينية الحديثة، لم يكن ليتأمل فقط جرارات ذاتية القيادة وروبوتات تحصد المحاصيل وتعاونيات فلاحية تعتمد الذكاء الاصطناعي، بل كان ينظر، على الأرجح، إلى صورة المغرب كما يمكن أن يكون في المستقبل.

في بلد أصبح فيه تأخر الأمطار خبرا يؤثر مباشرة في أسعار الخضر واللحوم والحبوب، لم تعد الفلاحة مجرد قطاع اقتصادي، بل قضية أمن قومي. ولم يعد السؤال مرتبطا بحجم إنتاج الموسم الحالي، وإنما بكيفية تأمين غذاء المغاربة خلال السنوات المقبلة، في ظل توالي سنوات الجفاف وتزايد آثار التغيرات المناخية.

من هذه الزاوية، تتجاوز زيارة أوزين إلى الصين بعدها البروتوكولي. فالرجل لم يتوقف عند ضخامة المدن أو سرعة التصنيع، بل اختار الحديث عن التعاونيات الفلاحية والزراعة الذكية والروبوتات والميكنة والابتكار، وهي مؤشرات تكشف اهتماما بنموذج يقوم على نقل الفلاحة من الاعتماد على الجهد التقليدي إلى إنتاج المعرفة.

لقد نجحت الصين في جعل الباحث والمهندس والمبرمج والروبوت والأقمار الصناعية والبيانات شركاء للفلاح داخل منظومة واحدة. ولم تعد التعاونية مجرد إطار لتجميع المنتجين، بل تحولت إلى مؤسسة تجمع التكنولوجيا والتمويل والبحث العلمي والتسويق.

وهنا يطرح السؤال المغربي نفسه: هل كان أوزين يزور الصين فقط للتعرف على تجربة ناجحة، أم كان يبحث عن النموذج الذي يحتاجه المغرب بعد أن بلغت الفلاحة التقليدية حدودها في مواجهة الجفاف وندرة المياه؟

تكمن قوة التجربة الصينية في أنها لم تكتف بالسؤال عن كيفية زراعة مساحات أكبر، بل بحثت عن كيفية جعل كل متر مربع أكثر إنتاجية، وكل قطرة ماء أكثر قيمة، وكل فلاح أكثر ارتباطا بالمعرفة والتكنولوجيا.

ولعل هذا ما يمنح زيارة أوزين دلالة خاصة، باعتباره ابن العالم القروي وأمينا عاما لحزب ارتبط تاريخيا بالقرى والجبال والفلاحين. فما رآه في الصين يعيد طرح فكرة التعاونيات بمنظور جديد، يجعلها فضاء للمعرفة والابتكار، لا مجرد إطار للتضامن التقليدي.

المغرب يتوفر على جامعات ومهندسين وكفاءات قادرة على المساهمة في بناء نموذج وطني للزراعة الذكية. غير أن التحدي الحقيقي يبقى في إيصال التكنولوجيا إلى الفلاح الصغير، وعدم تركها حكرا على الضيعات الكبرى.

قد لا تأتي الحلول من زيارة واحدة أو حزب واحد أو حكومة واحدة، لأن الأمن الغذائي مشروع دولة طويل المدى. لكن بعض الزيارات تكتسب قيمتها لأنها تطرح أسئلة جديدة.

والسؤال اليوم هو: هل آن الأوان لكي تنتقل الفلاحة المغربية من انتظار السماء إلى الاستثمار في المعرفة؟

ربما هنا تكمن القيمة الحقيقية لزيارة محمد أوزين إلى الصين: بذرة فكرة قد تصبح، إذا وجدت الإرادة والأرض المناسبة، بداية رؤية جديدة لمستقبل الفلاحة والأمن الغذائي بالمغرب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.