انتهى زمن الوعود… والحصيلة وحدها تحسم الاختيار..!

يثير الاستغراب ما يُروَّج في بعض النقاشات على مواقع التواصل الاجتماعي من أن انضمام فوزي لقجع إلى حزب الاصالة والمعاصرة يعني، بالضرورة، أن الحزب ضمن مسبقا الفوز في الانتخابات المقبلة، وأن هذه الخطوة تشكل دليلا على غياب الديمقراطية وحسم النتائج قبل توجه الناخبين إلى صناديق الاقتراع.

هذا الخطاب ليس جديدا على الساحة السياسية المغربية، فقد سبق أن تكرر بشكل شبه مماثل خلال انتخابات سنة 2016، عندما روّج حزب العدالة والتنمية، مدعوما بجيشه الإلكتروني، لفكرة مفادها أن المشاركة في الانتخابات لن تكون ذات جدوى، لأن حزب الأصالة والمعاصرة، بقيادة إلياس العماري آنذاك، سيفوز حتماً بدعم ما كان يُوصف بـ«الدولة العميقة»، غير أن صناديق الاقتراع جاءت بنتيجة مغايرة تماماً، ومنحت المرتبة الأولى لحزب العدالة والتنمية.

اليوم، يعود السيناريو نفسه بصيغة جديدة، فبدل مناقشة السياسات العمومية والبرامج الانتخابية وتقييم حصيلة الأحزاب التي شاركت في تدبير الشأن العام، يحاول عدد من المسؤولين السياسيين، وفي مقدمتهم عزيز أخنوش وعبد الإله ابن كيران ونبيل بنعبد الله وآخرون، نقل النقاش إلى شخص فوزي لقجع، وكأن دخوله إلى حزب سياسي أصبح القضية المركزية التي ينبغي أن تشغل المغاربة، غير أن التركيز على الأشخاص لا يمكنه حجب السؤال الحقيقي: ” ماذا قدم هؤلاء للمغاربة خلال السنوات التي قضوها في الحكومة ومواقع المسؤولية؟!”، قبل دعوة المواطنين إلى عدم الثقة في فاعل سياسي جديد، يتعين على من تعاقبوا على تدبير الشأن العام أن يقدموا حساباً واضحاً عن نتائج مشاركتهم الحكومية.

 ومن حق المغاربة أن يسألوا عن أسباب استمرار غلاء المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، وعن بقاء البطالة، خصوصا في صفوف الشباب، عند مستويات مقلقة، وعن العوامل التي أدت إلى تراجع الثقة في الأحزاب والمؤسسات السياسية.

إن النقاش الديمقراطي الجاد لا يُبنى على الاتهامات ولا على محاكمة النوايا، بل على الحصيلة والنتائج ومدى الوفاء بالالتزامات المقدمة للناخبين. وهنا تبرز مفارقة لا يمكن تجاهلها، ففي الوقت الذي يحاول فيه البعض تقديم فوزي لقجع باعتباره عنواناً لترتيب سياسي يراد من خلاله إيصاله إلى رئاسة الحكومة، تكشف الوقائع أن الذين يوجهون إليه هذه الاتهامات راكموا حضوراً أطول وأوسع داخل الحكومات المتعاقبة.

فعزيز أخنوش يشارك في حكومته الرابعة، ونزار بركة يخوض تجربته الحكومية الثالثة، شأنه شأن نبيل بنعبد الله،  والمكلمون الاخرون!، بينما قاد حزب العدالة والتنمية الحكومة خلال ولايتين متتاليتين، أما فوزي لقجع، فلم يشارك سوى في حكومة واحدة بصفته وزيراً منتدباً مكلفاً بالميزانية.

لذلك، يبدو من الصعب إقناع الرأي العام بأن شخصا خاض تجربة حكومية واحدة يمثل وحده امتدادا لـ«النظام»، في حين أن الذين يروجون لهذا الخطاب راكموا سنوات، بل عقودا، من المسؤوليات السياسية والحكومية، فالأحزاب والوجوه نفسها تداولت طويلا على تدبير الشأن العام، ثم عادت اليوم لتحاول إقناع المغاربة بأن المشكلة تكمن في دخول فاعل سياسي جديد إلى الساحة.

المنطق الديمقراطي يقتضي عكس ذلك تماما. فمن شارك في الحكومات المتعاقبة مطالب بتقديم حصيلته ومساءلة نفسه عن النجاحات والإخفاقات، قبل أن يطلب من المواطنين تجديد الثقة فيه. كما أن انضمام أي شخصية إلى حزب سياسي لا يمنح هذا الحزب فوزاً مضموناً، ولا يعفيه من تقديم برنامج مقنع واختيار مرشحين يحظون بثقة المواطنين.

لقد انتهى زمن الوعود الفضفاضة والشعارات الجاهزة وتخويف الناخبين من هذا الشخص أو ذاك. وفي النهاية، سيظل الحكم بيد المغاربة، الذين يُفترض أن يختاروا على أساس الحصيلة والإنجازات والقدرة على تقديم حلول واقعية، لا على أساس الاتهامات المتبادلة والنوايا المفترضة!.

ح/هـ

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.