خروج محامي الفايق في “قلب الحملة الانتخابية”.. بحث عن الحقيقة أم “قنبلة سياسية” في وجه حزب الأحرار؟!
لم يكن توقيت خروج المحامي محمد حاسي، الذي ينوب عن البرلماني السابق ورئيس جماعة أولاد الطيب، رشيد الفايق، عاديا أو منفصلا عن السياق السياسي الذي تعيشه البلاد، فالندوة الصحفية للأستاذ حاسي، جاءت في ذروة الحملة الانتخابية وقبل أيام قليلة من اقتراع 23 شتنبر، وفي لحظة يخوض فيها حزب التجمع الوطني للأحرار معركة صعبة للدفاع عن حصيلته وموقعه في الخريطة السياسية المقبلة.
فالمعطيات التي قدمها المحامي محمد حاسي، ليست مجرد تفاصيل مرتبطة بملف قضائي قديم، بل رواية تتضمن اتهامات موجهة إلى شخصيات سياسية وقيادية بارزة داخل حزب “الأحرار”، من بينها راشد الطالبي العلمي ، مصطفى بايتاس، ومحمد شوكي.
وبحسب الدفاع، فإن جزء من الوقائع يعود إلى مرحلة انتخابات 2021، عندما كان الفايق رقما انتخابيا مؤثرا في إقليم فاس، وحصل على أزيد من 31 ألف صوت، حيث تحدث المحامي عن اجتماع قيل إنه انعقد داخل مكتب بمجلس النواب، وطُلب خلاله من الفايق الانسحاب من انتخابات مجلس الجهة والاكتفاء بمقعده البرلماني، كما نسب إلى الطالبي العلمي قوله: “نحن جميعاً في سراح مؤقت”، لكن بايتاس منحه مهلة 48 ساعة لتقديم استقالته، يقول الدفاع.
غير أن توقيت الكشف عن هذا الملف، يمنحها حمولة سياسية استثنائية، فالندوة لم تُعقد مباشرة بعد اعتقال الفايق أو صدور الحكم في حقه، وإنما جاءت بعد سنوات، وفي لحظة انتخابية شديدة الحساسية، فمن الطبيعي أن يثير ذلك سؤالا مشروعا: ” لماذا اختار المحامي محمد حاسي ، هذا التوقيت بالذات لإخراج الملف إلى الرأي العام؟”
هناك أكثر من قراءة ممكنة: القراءة الأولى ترى أن الدفاع اختار اللحظة التي تتيح أكبر قدر من الاهتمام الإعلامي والسياسي، بهدف الضغط من أجل إعادة تحريك شكاية موكله وإقناع الرأي العام بأن جزءا من روايته لم يحظَ بالبحث الكافي. وقد حقق هذا الخيار نتيجة مباشرة بعدما أعلنت النيابة العامة لدى محكمة الاستئناف بفاس مواصلة البحث في الشكاية وترتيب الآثار القانونية المناسبة على ضوء نتائجه. حيث أوضح الوكيل العام للملك أن موضوع الشكاية يتعلق بادعاءات بالتعرض للابتزاز والتهديد بالسجن خلال الحملة الانتخابية لسنة 2021،
أما القراءة الثانية، فتنظر إلى الندوة باعتبارها تدخلا غير مباشر في الحملة الانتخابية، لأن الأسماء الواردة فيها توجد في قلب قيادة حزب ينافس على تصدر الانتخابات وتشكيل الحكومة المقبلة. وبصرف النظر عن نية الدفاع، فإن إخراج هذه الاتهامات في الوقت الراهن من شأنه التأثير في صورة الحزب وإرباك خطابه الانتخابي وإجبار قيادته على الانتقال من الدفاع عن الحصيلة والبرنامج إلى الرد على ملف قضائي وسياسي ثقيل.
وتزداد حساسية القضية لأن الطالبي العلمي، بايتاس ، وشوكي، ليسوا أسماء عادية داخل التجمع الوطني للأحرار. فالأول يتولى رئاسة مجلس النواب المنتهية ولايته، ويُعد من أبرز الوجوه السياسية للحزب، والثاني شغل موقعا حكوميا وإعلاميا متقدما، بينما يقود الثالث الحزب، في استحقاق انتخابي حاسم!، لذلك، فإن مجرد ورود أسمائهم في رواية مرتبطة بالضغط والابتزاز والتهديد، حتى من دون ثبوتها قضائيا، يحمل تكلفة سياسية وإعلامية كبيرة.
لكن توقيت الندوة لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لرفض مضمونها أو الحكم مسبقاً عليه. فالقول إن الملف خرج خلال الانتخابات لا يثبت أنه ملف انتخابي مفبرك، تماما كما أن تقديم الاتهامات في ندوة صحفية لا يجعلها حقائق ثابتة. الفيصل يجب أن يكون البحث القضائي، والاستماع إلى جميع الأطراف، وفحص الوثائق والمعطيات والقرائن التي يقول الدفاع إنه يتوفر عليها.
وقد جاء بلاغ النيابة العامة سريعا، ـ (وتم نشر نصه في حينه، على هذا الموقع ) ، وهو ما يعكس إدراك المؤسسة القضائية لحساسية القضية وخطورة تداول اتهامات بهذا الحجم في خضم الحملة. فالوكيل العام للملك لم يتبنَّ رواية الدفاع ولم ينفها، بل أعلن مواصلة البحث، وهو موقف يعيد الملف من ساحة التراشق السياسي والإعلامي إلى مساره الطبيعي داخل المؤسسات القضائية.
لكن سياسياً، قد يشكل الملف ضربة موجعة لحزب”الأحرار” إذا ظهرت قرائن جديدة تدعم رواية الفايق، خصوصا أن الحزب يخوض الانتخابات وسط حرب مفتوحة مع حلفائه السابقين وتبادل اتهامات بشأن الترحال السياسي والضغط على المنتخبين واستعمال النفوذ.
كما أن الملف يطرح سؤالا يتجاوز حزبا أو أشخاصا بعينهم: “هل كانت التوازنات الداخلية للأحزاب وصراعات تشكيل المجالس المنتخبة سنة 2021 تُدار بوسائل الضغط والتهديد؟ وهل كانت المتابعات القضائية لبعض المنتخبين تُستعمل، أو يُلوَّح بها، لإعادة ترتيب مواقع النفوذ؟”ـ إنها أسئلة شديدة الخطورة، ولا يمكن أن تُحسم بالتصريحات المتبادلة، بل بتحقيق قضائي مستقل وشفاف.
فخروج محامي الفايق، حقق إلى حدود الآن، هدفين واضحين: “أعاد قضية موكله إلى واجهة الاهتمام، ودفع النيابة العامة إلى إعلان مواصلة البحث”. لكنه في المقابل وضع الدفاع أمام مسؤولية ثقيلة، لأن الاتهامات الموجهة إلى شخصيات عامة لا تحتمل الغموض أو الاكتفاء بالإيحاءات، وتحتاج إلى وثائق وشهادات وقرائن قابلة للفحص.
وبين من يرى في الندوة محاولة للكشف عن حقيقة ظلت مدفونة، ومن يعتبرها قنبلة انتخابية موقوتة!، تبقى الكلمة الحاسمة للقضاء، أما الرأي العام فمن حقه أن يعرف الحقيقة كاملة، بعيدا عن التوظيف الانتخابي من جهة، وعن محاولات إغلاق الملف بذريعة التوقيت من جهة أخرى!.
ح.ا
