تحولت شائعة انتشرت عبر شبكات التواصل الاجتماعي حول “فتح الحدود” مع سبتة المحتلة إلى موجة بشرية غير مسبوقة، دفعت آلاف الأشخاص إلى التوجه نحو مدينة الفنيدق ومحاولة الوصول إلى الجيب الإسباني، قبل أن تنتهي ليلة الخميس ـ الجمعة بمواجهات وأعمال عنف وخسائر بشرية ثقيلة.
وحسب التقديرات الإسبانية، عبر نحو 50 ألف شخص إلى سبتة خلال الأيام القليلة الماضية، في أكبر تدفق جماعي تشهده المنطقة، متجاوزا بأضعاف ما سُجل خلال أزمة ماي 2021. وفي المقابل، حيث قدرت وزارة الداخلية الإسبانية عدد العابرين خلال 24 ساعة بنحو 49 ألفاً، ما يكشف استمرار التفاوت في الأرقام وصعوبة تحديد الحجم الحقيقي للموجة.
وأعلن رئيس حكومة سبتة، خوان خيسوس فيفاس، أن 34 مهاجرا لقوا حتفهم أثناء محاولتهم الوصول إلى المدينة، بينما تحدثت تقارير إسبانية لاحقة عن حصيلة مرشحة للارتفاع، وتظل الأرقام المتداولة مؤقتة إلى حين صدور بيانات رسمية نهائية وموحدة بشأن عدد الضحايا والمفقودين والناجين..
وصباح يومه الجمعة، كانت آثار الليلة المضطربة واضحة في محيط الفنيدق، سيارات متضررة وأخرى أضرمت فيها النيران، وحجارة ومخلفات مواجهات اندلعت بعدما تدخلت القوات العمومية لإبعاد الراغبين في العبور ودفعهم بعيداً عن المنطقة الحدودية.
ورد بعض الشبان برشق عناصر الأمن بالحجارة، فيما امتدت أعمال التخريب إلى سيارات خاصة وسيارات أجرة كانت قد نقلت، في اليوم السابق، أشخاصاً قدموا من مدن بعيدة، من بينها مراكش والقنيطرة.
غير أن بداية الأزمة لم تكن في الشارع، بل داخل الهواتف المحمولة، فقد انتشر خبر يزعم أن الحدود مع سبتة أصبحت مفتوحة، شفهيأ وعبر منصات التواصل ومجموعات المحادثة، ومنها منصة “ديسكورد”، بدون أي بلاغ رسمي مغربي أو إسباني.
ونشرت وسائل الإعلام الدولية أن بعض العمال غادروا أماكن عملهم فور سماع الخبر، بينما تنقل آخرون من مدن بعيدة نحو الفنيدق من دون التحقق من مصدر المعلومة، بل كان القرار لدى البعضهم يكمن في مكالمة هاتفية أو رسالة قصيرة تعدهم بإمكانية الوصول إلى أوروبا..
وتروي فاطمة الزهراء، التي كانت تعمل في طنجة، أنها سمعت من أصدقائها أن الحدود ستفتح مساء الأربعاء. وبسبب ظروف عمل وصفتها بالصعبة، قررت التوجه إلى المنطقة أملا في العثور على فرصة أفضل في الجانب الآخر، أما كريم، وهو شاب لم يتمكن من العبور، فأكد أن كثيرين تركوا أعمالهم فور سماع الخبر واتجهوا نحو سبتة.
وهنا لا تبدو الشائعة سوى الشرارة التي أشعلت وضعا اجتماعياً قابلا للانفجار، فالبطالة وهشاشة فرص الشغل وتراجع الثقة في المستقبل دفعت آلاف الشباب إلى تصديق خبر مجهول المصدر والمجازفة بحياتهم بحثاً عن فرصة لم يجدوها داخل وطنهم.
وفي غياب الرواية الرسمية للحكومة المغربية، خرج رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز ليقدم موقف بلاده ويحدد، من وجهة نظر مدريد، المسؤوليات المرتبطة بالأزمة.
وقال سانشيز إن ما وقع يمكن وصفه بأنه “اعتداء وانتهاك للوحدة الترابية الإسبانية”، مؤكداً “أن سبتة، وفق الموقف الرسمي لبلاده، مدينة إسبانية، وأن الأحداث تستحق ، أشد عبارات الاستنكار وأقوى إدانة”..
وأضاف رئيس الحكومة الإسبانية “أن ما يقف وراء موجة العبور هو التفسير المغرض الذي تبنته شبكات إجرامية تنشط في الاتجار بالبشر، لحكم قضائي أصدرته المحكمة العليا الإسبانية، مؤيدا قرارا سابقا للمحكمة العليا في الأندلس موضحا بان .
“الحكم ينص على عدم وجود أساس قانوني لإعادة الأشخاص الذين يدخلون الأراضي الخاضعة للسيادة الإسبانية سباحة عبر الحدود”، معتبرا أن” شبكات الاتجار بالبشر استغلت هذا القرار لتضليل الراغبين في الهجرة ودفعهم إلى الاعتقاد بأن وصولهم سباحة إلى سبتة سيحول دون إعادتهم، ” الفيديو:
وتكشف تصريحات سانشيز أن الشائعة لم تقتصر على الادعاء بأن الحدود فُتحت، بل ربما استندت أيضا إلى تأويل مضلل لحكم قضائي إسباني، جرى تقديمه على شبكات التواصل باعتباره ضمانة تمنع إعادة كل من ينجح في الوصول إلى سبتة عبر البحر.
لكن رواية مدريد لا تعفي السلطات في البلدين من الكشف عن النتائج الدقيقة للتحقيقات، وتحديد الحسابات والمجموعات التي أطلقت الخبر أول مرة، ومعرفة ما إذا كان الأمر مجرد معلومة زائفة انتشرت عفويا أم حملة منظمة شاركت فيها شبكات تستفيد من الهجرة غير النظامية.
كما يطرح وصول آلاف الأشخاص من مدن مختلفة في توقيت متقارب سؤالا بشأن احتمال وجود وسطاء تولوا توجيههم أو توفير وسائل النقل لهم، فالشائعة قد تفسر الدافع، لكنها لا تفسر وحدها سرعة التعبئة ولا وصول هذه الأعداد إلى نقطة جغرافية واحدة خلال فترة قصيرة.
وإذا كان سانشيز قد خرج مخاطبا الإسبان، ومقدماً رواية حكومته بشأن ما وقع، فإن المغاربة ظلوا ينتظرون “كلمة” من رئيس حكومتهم عزيز أخنوش أو من الناطق الرسمي باسم الحكومة..
وحتى وقت إعداد هذا التحقيق، لم يصدر عن الحكومة المغربية بلاغ شامل يوضح للرأي العام حقيقة الأحداث، ولا حصيلة الضحايا المغاربة، ولا مصدر شائعة “فتح الحدود”، ولا طبيعة الإجراءات المتخذة لاحتواء الوضع، كما لم يقدم الناطق الرسمي باسم الحكومة التوضيحات المنتظرة بشأن أزمة هزت البلاد وتصدرت تغطيات وسائل الإعلام الدولية.
ويطرح هذا الغياب أسئلة مشروعة: “أين رئيس الحكومة عندما يتحول آلاف المواطنين، بينهم شباب وقاصرون، إلى موجة بشرية تتجه نحو الحدود؟ وأين الناطق الرسمي باسم الحكومة ، عندما تصبح الأرقام والتفسيرات والمواقف كلها قادمة من الجانب الإسباني؟”، لان الأمر لا يتعلق بحادث محدود يمكن تدبيره في صمت، بل بأزمة وطنية ذات أبعاد إنسانية واجتماعية وأمنية ودبلوماسية، لذلك لا يبدو مقبولا أن يعتمد الرأي العام المغربي على تصريحات رئيس حكومة سبتة ورئيس الحكومة الإسبانية، لمعرفة ما يجري فوق التراب المغربي وبمواطنين مغاربة..
وبين من وصل إلى سبتة وعاد خائبا، ومن فقد حياته خلال المحاولة، تكشف الأحداث أن شائعة واحدة كانت كافية لتحريك عشرات الآلاف، وصمت الحكومة، يساهم في تعميق الشعور بأن المواطن المغربي يواجه أزماته وحده، وأنها غير معنية بتقديم الأجوبة، حتى عندما تتحول مأساة المغاربة إلى عنوان تتناقله وسائل الإعلام الدولية.
ح.ا