بين”بلاغ الداخلية وأحداث سبتة ومليلية المحتلتين”.. و “صمت القبور” لرئيس الحكومة عزيز اخنوش ..”ضيع الصيف اللبن..!”
لم يكن بلاغ وزارة الداخلية بشأن محاولات العبور الجماعي نحو سبتة ومليلية مجرد بيان إحصائي لتقديم حصيلة أمنية وإنسانية، بل جاء في توقيت اتسعت فيه دائرة التأويلات السياسية، وربطت ما حدث بتحركات إقليمية وإسبانية متزامنة، في مقدمتها زيارة رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى الجزائر ولقاؤه بالرئيس عبد المجيد تبون، فضلاً عن الاتفاق الجديد المتعلق بجبل طارق، وما أعاده إلى الواجهة من أسئلة تاريخية بشأن مستقبل سبتة ومليلية.
البلاغ حاول، منذ فقرته الأولى، تثبيت الرواية الرسمية لأسباب ما جرى، حين أكد أن الأحداث لم تكن تلقائية أو وليدة ظرف عابر، وإنما نتجت عن تفاعل عوامل متعددة، يتصدرها التضليل الرقمي، وتأويل حكم قضائي إسباني بصورة خاطئة، إلى جانب نشاط شبكات الاتجار بالبشر، وبهذا التحديد، استبعدت الداخلية، بصورة غير مباشرة، القراءة التي ذهبت إلى اعتبار موجة العبور الجماعي قرارا سياسيا أو رسالة دبلوماسية متعمدة إلى مدريد.
ويعزز البلاغ هذه الخلاصة عندما يقدم المغرب باعتباره «شريكا موثوقا ومسؤولا» في تدبير الهجرة، ويؤكد استمرار التنسيق مع السلطات الإسبانية وإعادة الراغبين في العودة وفتح أبحاث قضائية لتحديد المسؤوليات، إنها لغة تسعى بوضوح إلى حماية صورة التعاون المغربي الإسباني، وإلى قطع الطريق على الأصوات التي حاولت استعادة سيناريو أزمة ماي 2021، حين تحولت الهجرة إلى عنصر مركزي في التوتر بين الرباط ومدريد.
غير أن البلاغ، وهو يُفنّد فرضية التدبير السياسي للأحداث، بل يفتح في الوقت نفسه بابا واسعا للأسئلة، فالحديث عن تحرك نحو 40 الف شخص في اتجاه سبتة، و1135 شخصاً نحو مليلية، يكشف أن ما حدث تجاوز حدود الإشاعة العابرة أو الاندفاع المحدود،. للتعبئة بهذا الحجم، في مجال جغرافي شديد الحساسية والمراقبة، تفترض قدرة كبيرة على نشر المعلومة وتنسيق الحركة، وجذب آلاف الأشخاص إلى نقاط محددة خلال فترة وجيزة.
وهنا يبرز سؤال مشروع: “كيف تمكنت الدعوات الرقمية وشبكات الاتجار بالبشر من تعبئة هذا العدد، رغم تأكيد البلاغ اعتماد الرصد المبكر واليقظة والمراقبة البرية والبحرية؟”، هذا السؤال لا يعني بالضرورة وجود قرار سياسي بفتح الحدود، لكنه يكشف أن رواية التضليل الرقمي، على وجاهتها، لا تكفي وحدها لتفسير كل أبعاد الحدث، ولا سيما حجمه وسرعة تمدده وتزامنه مع ظرف سياسي إقليمي دقيق.
أما العنصر الأكثر وضوحا في البلاغ، فهو تأثير حكم المحكمة العليا الإسبانية بشأن عدم جواز تطبيق “الإعادة الفورية” على الذين يُعترضون في البحر أثناء محاولة الوصول سباحة إلى سبتة أو مليلية، فالحكم لم يمنح المهاجرين حق الإقامة، ولم يفتح أمامهم أبواب الاتحاد الأوروبي، وإنما قرر أن الاستثناء القانوني الذي يسمح بالإبعاد المباشر عند السياج الحدودي لا ينطبق بالطريقة نفسها على من يتم اعتراضهم في البحر، حيث تظل الإجراءات القانونية الفردية واجبة، غير أن تداول الحكم على المنصات الرقمية اختزله في رسالة مضللة مفادها أن “من يصل سباحة لن تتم إعادته”، وهو ما يفسر تركيز المحاولات في المسار البحري، وهذا الجانب من رواية الداخلية تؤيده فعلا طبيعة الحكم الإسباني كما عرضته الصحافة الإسبانية.
لكن توقيت الأحداث، بعد أيام من زيارة سانشيز إلى الجزائر يوم 20 يوليوز 2026، جعل الربط السياسي شبه تلقائي. فالزيارة لم تكن بروتوكولية فقط، بل دشنت ما وصفه سانشيز بـ”مرحلة جديدة” في العلاقات الإسبانية الجزائرية، وتوجت بالاتفاق على عقد الاجتماع الثامن رفيع المستوى بين الحكومتين في أكتوبر، وتعزيز الحوار السياسي والشراكة الاقتصادية والتعاون الإقليمي والدولي، وفق البيان الرسمي لرئاسة الحكومة الاسبانية.
ومن الطبيعي ان يتم “مراقبة” هذا التقارب بدقة من الجانب المغربي، بالنظر إلى الخلاف الجزائري مع المغرب لعقود، وإلى استمرار التباين بين البلدين بشأن قضية الصحراء المغربية، غير أن الانتقال من ملاحظة التزامن إلى الجزم بأن ما جرى في سبتة ومليلية كان ردا مغربيا على زيارة سانشيز يظل استنتاجا سياسيا لا تسنده إلى الآن، أدلة معلنة، كما أن مدريد لم تتراجع رسميا عن موقفها الداعم لمبادرة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية، ولم يتضمن البيان الرسمي للزيارة الإسبانية إلى الجزائر إعلانا عن تحول في هذا الموقف.
لذلك، يمكن القول إن لقاء سانشيز وتبون وفر ارضية سياسية لتكاثر الشكوك، لكنه لا يكفي وحده لإثبات علاقة سببية بالأحداث، وقد تكون الرباط راغبة في تذكير مدريد بحساسية تحركاتها الإقليمية، لكن البلاغ اختار نقيض لغة التصعيد، وشدد على المسؤولية المشتركة والتنسيق والتعاون، ولو كانت الغاية الرسمية توجيه رسالة عقابية إلى إسبانيا، لكان من الصعب تفسير سرعة الاتفاق بين البلدين على إعادة الوافدين، وإعادة فتح المعابر أمام العائدين، والحرص المغربي على تقديم نفسه شريكا ملتزما بحماية الحدود.
أما الربط بقضية جبل طارق، فيكتسب بعدا تاريخيا وسياسيا أعمق، فقد دخل الاتفاق بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي بشأن جبل طارق مرحلة التطبيق المؤقت في يوليوز 2026، ونص على إزالة الحواجز المرتبطة بتنقل الأشخاص عبر الحدود البرية مع إسبانيا، ونقل عمليات مراقبة الدخول إلى ميناء جبل طارق ومطاره، حيث تُجرى مراقبة مزدوجة بريطانية و”شنغنية”، لذلك فعبارة “فتح الحدود بين إسبانيا وجبل طارق” صحيحة من زاوية تسهيل العبور البري، لكنها تحتاج إلى تدقيق، فالاتفاق لم يُلغ الحدود قانونيا، ولم ينقل سيادة جبل طارق إلى إسبانيا، بل نظم حركة الأشخاص والبضائع مع إبقاء الإقليم تحت “السيادة البريطانية”، وقد أكدت لندن صراحة أن الترتيب يحمي السيادة البريطانية واستقلال القرار العسكري.
ومع ذلك، يحمل الاتفاق دلالة سياسية لا يمكن تجاهلها من المنظور المغربي، فإسبانيا التي تطالب باسترجاع جبل طارق من بريطانيا ، تتمسك في المقابل بسيادتها على سبتة ومليلية، وهو تناقض ظل المغرب يستحضره تاريخياً، وقد ربط المغفور له الراحل الملك الراحل الحسن الثاني مصير المدينتين بمصير جبل طارق، وكان ان اقترح على إسبانيا إنشاء خلية مشتركة للتفكير في حل هادئ وتدريجي للملف، انطلاقا من أن انتهاء النزاع البريطاني الإسباني حول الصخرة، سيجعل استمرار الوضع القائم في الثغرين أكثر صعوبة من الناحية السياسية والأخلاقية.
في المقابل، يمكن للرباط أن تستخلص من نموذج جبل طارق إمكانية الانتقال من الجمود إلى ترتيبات تدريجية، تبدأ بتدبير مشترك للمصالح الاقتصادية والحدودية والإنسانية، من دون اشتراط حسم السيادة منذ المرحلة الأولى، وهذا يقترب من فلسفة المقترح الذي كان الملك الحسن الثاني يدعو إليه: معالجة الملف بالحوار والتدرج، بعيداً عن المواجهة، إلى أن تنضج شروط التسوية التاريخية.
وبهذا، تكون القراءة المتأنية لبلاغ الداخلية تقود في النهاية، إلى استبعاد الاختزال في اتجاهين متناقضين: “فلا يمكن الجزم بأن الأحداث كانت مجرد مؤامرة رقمية منفصلة عن الظروف الاجتماعية والسياسية”، كما “لا يمكن تقديمها بوصفها عملية رسمية لابتزاز إسبانيا أو معاقبة سانشيز على زيارته إلى الجزائر”. فالثابت هو وجود حكم قضائي جرى تحريف مضمونه، واستغلته شبكات الاتجار في البشر للتغرير بالشباب، ما جعل الآلاف منهم قابلين لتصديق وعد العبور السهل، في وقت شديد الحساسية إقليميا.
أما الرسالة السياسية الواضحة ، سواء كانت مقصودة أم فرضتها الوقائع، فهي أن أمن الحدود الجنوبية لإسبانيا لا ينفصل عن التعاون مع المغرب، وأن الرباط ليست مجرد حارس للحدود الأوروبية، بل دولة لها مصالح وقضايا سيادية وانتظارات سياسية، وفي مقدمة هذه القضايا يظل ملف سبتة ومليلية حاضرا في الذاكرة الوطنية، حتى وإن اختارت الدبلوماسية المغربية تدبيره بالصمت والتدرج، وربطه بتحولات أوسع في الضفة الشمالية لمضيق جبل طارق.
لقد نجح بلاغ وزارة الداخلية ، في تفسير الآلية المباشرة التي دفعت الآلاف إلى البحر، لكنه لم يُنه أسئلة الراي العام عن أسباب صمت رئيس الحكومة عزيز اخنوش، وتجاهله لما حصل، وللوفيات التي لم يتعرف لحد الان احصاؤها بالتدقيق، اما رئيس الحكومة الاسبانية فقد زار المدينة المحتلة في حينه، والتقى بالمسؤولين عن تدبيرها، وصرح للقنوات الرسمية والخاصة، الأسباب التي يراها لصالح حكومته ولحزبه الذي يعيش هو بدوره ازمة سياسية، لكن رغم ذلك قام بالواجب ، وبرر الاسباب المتعلقة بالخلفية الاجتماعية وحجم التعبئة وتوقيت الانفجار، وبين الحكم القضائي الإسباني، ما عدا وزراؤنا المعنيون بالملفات الاجتماعية وغيرها، بل عملوا وعلى راسهم كبيرهم بمقوله “كم حاجة قضيناها بتركها” ولو ان الامر يتعلق بأرواح المواطنين المغاربة، فعزاؤنا لأسر الضحايا.
انا لله وانا اليه راجعون.
ح.ا