اليوم العاشر للحملة..” الأحرار والبام ينشران غسيل الأغلبية.. وبنكيران يحول المنصات إلى مسرح للقفشات”!
مع بلوغ الحملة الانتخابية للاستحقاقات التشريعية المقررة اجراؤها يوم 23 شتنبر الجاري يومها العاشر، يبدو أن النقاش السياسي ابتعد إلى حد بعيد، عن البرامج الانتخابية والأرقام والالتزامات التي يفترض أن تشكل جوهر المنافسة، ليدخل مرحلة عنوانها الأبرز: “تبادل الاتهامات، نبش الملفات القديمة، وتصفية الحسابات بين خصوم اليوم وحلفاء الأمس.. “.
ولعل المفارقة الأكثر إثارة خلال هذه الحملة تتمثل في أن أقوى المواجهات تقع بين الأغلبية الحكومية نفسها، وخصوصا بين التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، الحزبين اللذين دبرا معا جزءا أساسيا من الولاية الحكومية المنتهية، قبل أن يتحولا مع اقتراب موعد صناديق الاقتراع إلى خصمين يتبادلان اتهامات ثقيلة مرتبطة باستقطاب المنتخبين والمرشحين والضغط والإكراه واستعمال النفوذ والمال العام وتضارب المصالح، وقد وثقت تغطيات صحفية متوالية انتقال السجال بين الحزبين من قضية “الترحال السياسي” واستقطاب المنتخبين ، إلى اتهامات أكثر حساسية تتعلق بالمال العام والصفقات وبرامج الدعم …الخ..
وهذا التحول يطرح سؤالا سياسيا لا يقل أهمية عن نتائج اقتراع 23 شتنبر نفسها، لدى المتتبع للشأن السياسي: ” كيف يمكن لحزبين أمضيا الولاية الحكومية في الدفاع عن حصيلة مشتركة أن يقدما اليوم، أمام الناخبين، روايتين متناقضتين إلى هذا الحد بشأن ممارسات كل طرف؟”
فالتجمع الوطني للأحرار، سبق أن اشتكى مما اعتبره محاولات لاستمالة مسؤولين ومنتخبين من صفوفه، بينما رد حزب الأصالة والمعاصرة بنفي ممارسة أي ضغط أو إكراه، مؤكدا أن التحاق منتخبين بحزب “البام” جرى في إطار حرية الاختيار السياسي، لكن ، لم يبق السجال في حدود البلاغات التنظيمية، إذ دخل قياديون من الجانبين في مواجهات علنية، وتحولت تصريحات هشام المهاجري الى مادة جديدة في هذا الصراع يمكن ان تجر البعض الى “قفص الاتهام”.
وأمام خطورة ما يتم تداوله، لم يعد الأمر مجرد “كلاشات” انتخابية عابرة، فقد دعا مسؤولون من خارج الحزبين، إلى مطالبة التحقيق في الاتهامات المتبادلة، لأنها تتجاوز طبيعة الخطاب الانتخابي العادي حين تصل إلى الحديث عن الفساد والمال العام، ويظل ذلك موقفا سياسيا صادرا عن صاحبه، في انتظار أي مساطر أو نتائج رسمية قد تثبت أو تنفي الوقائع محل الجدل.
وهنا تكمن إحدى مفارقات الحملة، ” كلما رفع أحد أطراف الأغلبية سقف الاتهام ضد شريكه، فإنه يفتح في المقابل الباب أمام سؤال المسؤولية المشتركةذ، فإذا كانت الممارسات التي يجري الحديث عنها معروفة داخل دوائر الحكومة والأغلبية، فلماذا لم تصبح موضوع مواجهة أو مساءلة إلا قبيل الانتخابات؟ وإذا كانت غير صحيحة، فما حدود استعمال الاتهامات الثقيلة في التنافس الانتخابي؟”
لذلك ، فقد أصبحت الحملة، في جزء كبير منها، محاكمة سياسية للولاية الحكومية بأصوات مكوناتها نفسها، ولم تعد المعارضة وحدها هي التي تنتقد التدبير الحكومي، بل شركاء الأغلبية الذين صاروا يقدمون مادة يستعملها خصومهم لتوجيه النقد إلى التجربة برمتها، لكن حزب الاستقلال اختار ـ حتى الآن ـ قدرا أكبر من الابتعاد عن المواجهة المباشرة بين شريكيه، بينما ركزت التغطية السياسية بدرجة أكبر على الصراع المفتوح بين “الحمامة” و”التراكتور”، وقد وصفت تحليلات صحفية هذا التموضع بأنه محاولة للحفاظ على مسافة من التراشق الذي طغى على علاقة الحزبين الآخرين داخل الأغلبية.
ووسط كل هذا، عاد عبد الإله بنكيران ليلعب الدور الذي يعرفه جيدا، ” خطيب الحملة الذي لا يحتاج دائما إلى أرقام كثيرة حتى يحول جملة قصيرة أو “قفشة” بالدارجة، إلى مادة تنتشر في المواقع ومنصات التواصل”، ولا يخوض حملته بالطريقة نفسها التي تخوضها باقي القيادات الحزبية، بل يعتمد على المواجهة المباشرة، واستعمال الأمثال والعبارات الساخرة، واستحضار الوقائع السياسية القديمة، والانتقال السريع بين الجد والهزل، لتمرير رسائل “مشفره” باسلوبه الخاص، من خلال مزج الخطاب الأخلاقي باللغة الدارجة والأمثال الشعبية والعبارات التي تستثير الضحك والتفاعل داخل التجمعات..
وقد صعّد بنكيران لهجته تجاه عزيز أخنوش، خلال تجمع انتخابي بتازة مساء الأربعاء 16 شتنبر الجاري، حيث وجه إليه اتهامات سياسية تتعلق بـ”المحروقات ، لمال العام ، دعم الماشية، ومحطة تحلية المياه”، وهي اتهامات تبقى منسوبة لبنكيران، ولا تشكل في حد ذاتها إثباتا قضائيا للوقائع التي تحدث عنها، كما وجه انتقادات إلى فوزي لقجع، مطالبا إياه بالابتعاد عن السياسة والاهتمام بمجال كرة القدم، موجها هجوما قويا على حزب الأصالة والمعاصرة، من خلال استخدام أوصافا قاسية في حقه، معتبرا الحزب حتى وان حصل على كامل مقاعد البرلمان ـ وفق تعبيره ـ لن يجعله قادرا على الإصلاح، وهو موقف انتخابي لبنكيران يعكس استمرار الخصومة السياسية القديمة بين العدالة والتنمية و«البام”.
وتعد “قفشات” بنكيران أكثر حضورا إعلاميا من بعض التفاصيل التقنية لبرنامج حزبه، لكنها تكشف أيضا طبيعة معركة سياسية تقوم على الشخصنة بقدر ما تقوم على الأفكار، فحين تصبح العبارة الساخرة أسرع انتشارا من البرنامج الاقتصادي، وحين يترقب الجمهور ما سيقوله هذا الزعيم في خصمه أكثر مما يترقب رؤيته للتشغيل أو الصحة أو التعليم، فإن الحملة تكون قد انتقلت من منافسة البرامج إلى منافسة الخطاب والفرجة السياسية، وهذا بالضبط ما يبدو واضحا في اليوم العاشر للحملة: البرامج موجودة، لكن الضجيج المحيط بها أكبر منها..!.
والأكثر أهمية “بالنسبة للمهتمين!”، أن ما يقال اليوم لن ينتهي بالضرورة ليلة 23 شتنبر، فالنتائج ستفرض لاحقا نقاشا جديدا حول التحالفات وتشكيل الأغلبية، وقد يجد بعض الذين يتبادلون اليوم أقسى الاتهامات أنفسهم أمام طاولة تفاوض واحدة، وهنا سيظهر الاختبار الحقيقي: “هل كانت الاتهامات التي سمعها المغاربة خلال الحملة تعبيرا عن خلافات سياسية جدية تستوجب المحاسبة والتحقيق، أم مجرد ذخيرة انتخابية ينتهي مفعولها بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع؟”
وبين كل قيل ويقال، يبقى السؤال الذي يفترض ألا يضيع وسط صخب الحملة: “ماذا سيستفيد المواطن فعليا من كل هذا السجال يوم 24 شتنبر، عندما تنتهي الخطب وتبدأ مرحلة الحساب السياسي الحقيقي؟”.
ح/ا
