مرة أخرى، تنطلق إحدى أبرز عمليات إعادة ترتيب الخريطة الحزبية بجهة فاس مكناس من مدينة فاس، حيث يستعد الوزير السابق محمد عبو وعائلته لمغادرة حزب التجمع الوطني للأحرار والالتحاق بحزب الأصالة والمعاصرة، في خطوة من شأنها أن تحدث تحولا لافتا في موازين القوى السياسية والانتخابية بإقليم تاونات، قبل أسابيع عن موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر الجاري.
وتكتسي مغادرة عائلة عبو لـ”الحمامة” دلالة سياسية خاصة، بالنظر إلى ارتباطها التاريخي بحزب التجمع الوطني للأحرار، حيث شكل أفرادها، على مدى حوالي ثلاثة عقود، أحد الأعمدة التنظيمية والانتخابية للحزب بإقليم تاونات، منذ المرحلة التي كان يقود فيها الحزب أحمد عصمان.
وبحسب المعطيات المتداولة، يرتقب الإعلان عن التحاق عائلة عبو بحزب الأصالة والمعاصرة خلال لقاء بمدينة فاس، بعدما نجحت قيادة “البام” في إقناع الوزير السابق بإعادة تموقعه السياسي ودعم مرشحي الحزب في إقليم تاونات. غير أن هذه الخطوة تظل في انتظار الإعلان الرسمي الذي سيحسم طبيعة الالتحاق وتفاصيله التنظيمية.
ويأتي هذا التطور بعد التحاق البرلمانيين السابقين نور الدين قشيبل وبوشتى بوصوف رسميا بحزب الأصالة والمعاصرة، خلال لقاء تواصلي احتضنه إقليم تاونات بحضور عدد من قيادات الحزب، يتقدمهم فاطمة الزهراء المنصوري وفوزي لقجع.
ومن شأن تجميع هذه الأسماء داخل “البام” أن يمنح الحزب قوة انتخابية إضافية في إقليم تاونات، بحكم ما تتوفر عليه من امتداد محلي وشبكات انتخابية ومعرفة دقيقة بطبيعة التنافس في المنطقة، خصوصا أن قشيبل وبوصوف سبق أن راكما حضورا انتخابيا مهماً في دوائر الإقليم.
وتشير مصادر متطابقة إلى أن لقاءً جمع محمد عبو بفوزي لقجع انتهى بإقناع الوزير السابق بالالتحاق بحزب الأصالة والمعاصرة ودعم عبد اللطيف الفويقر، مرشح الحزب بدائرة تيسة–تاونات، وهو ما يمثل، في حال ترجمته ميدانيا، ضربة انتخابية جديدة لحزب التجمع الوطني للأحرار داخل إقليم ظل لسنوات أحد خزاناته المهمة للأصوات.
ولا تنفصل مغادرة عائلة عبو عن حالة التوتر التي رافقت حسم اللائحة الجهوية النسائية لحزب التجمع الوطني للأحرار بجهة فاس مكناس. وتفيد معطيات متداولة بأن الوزير السابق كان قد تلقى وعوداً بوضع ابنته في صدارة اللائحة، قبل أن تتغير الترتيبات تحت تأثير موازين القوى الجديدة داخل التنظيم الجهوي.
وحسب المصادر ذاتها، فقد مارست جبهة حزبية يقودها مرشحا الحزب بمدينة فاس، زينة شاهيم والتهامي الوزاني، ضغوطا قوية لاعتماد زوجة رئيس جماعة أولاد الطيب على رأس اللائحة الجهوية، وهو ما أدى إلى تراجع حظوظ ابنة عبو وإعادة ترتيب الأسماء المقترحة.
وأشعل هذا التحول غضبا داخل محيط عائلة عبو، التي اعتبرت أن التراجع عن الوعود السابقة يعكس تقلص نفوذها داخل التنظيم الجهوي، وفتح الباب أمام مراجعة علاقتها بالحزب الذي ظلت مرتبطة به لسنوات طويلة. وقد كشفت معركة اللائحة الجهوية عن صراع واضح بين مراكز نفوذ متعددة داخل “الأحرار” بجهة فاس مكناس، انتهى، وفق معطيات صحفية، بتقدم جبهة فاس وتراجع قدرة عبو وحلفائه على التأثير في القرار الانتخابي الجهوي.
وفي ظل هذه التحولات، يبرز الدور المتزايد لفوزي لقجع داخل حزب الأصالة والمعاصرة، بعدما نجح في تحريك جزء من المياه الراكدة داخل الحزب واستقطاب أسماء تمتلك وزناً انتخابياً وتنظيميا، خصوصا من صفوف حليفه الحكومي، التجمع الوطني للأحرار.
وبات لقجع واحداً من أكثر الأسماء إزعاجاً لقيادة “الأحرار”، في ظل حضوره المتصاعد داخل “البام” وقدرته على التواصل مع شخصيات سياسية ومنتخبين ينتمون إلى الحزب المنافس. ويزداد هذا الصراع حدة بعدما آلت رئاسة التجمع الوطني للأحرار إلى محمد شوكي، في وقت عاد فيه عزيز أخنوش إلى الواجهة السياسية للدفاع عن تماسك الحزب ومواجهة موجة المغادرات التي طالت عدداً من أطره ومنتخبيه.
كما ساهم قرار لقجع، في آخر لحظة، عدم خوض الانتخابات التشريعية بدائرة بركان، في خلط الأوراق داخل المشهد الانتخابي، بعدما ظل اسمه متداولاً بقوة لقيادة لائحة “البام” بالدائرة. وقد أعاد انسحابه فتح المنافسة أمام عدد من الطامحين إلى تصدر النتائج، مع احتفاظه بدور مؤثر في تدبير التحالفات ودعم مرشحي الحزب بمختلف المناطق.
ولا يبدو استقطاب عائلة عبو معزولاً عن التوتر المتصاعد بين حزبي الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار، رغم مشاركتهما في التحالف الحكومي. فالصراع بين الطرفين انتقل من تبادل الاتهامات بشأن استمالة المنتخبين إلى منافسة مباشرة حول الأسماء المؤثرة والخزانات الانتخابية المحلية.
وباستقطاب محمد عبو وعائلته، بعد بوشتى بوصوف ونور الدين قشيبل، يواصل “البام” تفكيك جزء من القوة التنظيمية والانتخابية لحليفه الحكومي في إقليم تاونات، بينما يجد “الأحرار” نفسه أمام كلفة سياسية مباشرة لصراعات التزكيات واللوائح داخل جهة فاس مكناس.
وسيظل الرهان الحقيقي مرتبطاً بمدى قدرة عائلة عبو على نقل امتدادها الانتخابي إلى حزبها الجديد، وما إذا كان هذا التحول سيمنح عبد اللطيف الفويقر و”الجرار” أفضلية حاسمة بدائرة تيسة–تاونات، أم أن «الحمامة» ستنجح في احتواء تداعيات المغادرة وإعادة بناء توازناتها قبل انطلاق الحملة الانتخابية.

