تستحق المعطيات التي كشف عنها وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة، بشأن الموقف الروسي داخل مجلس الأمن، قراءة تتجاوز الانفعال بنتيجة التصويت إلى مساءلة التحول الذي تريد الدبلوماسية المغربية إحداثه في مسار قضية الصحراء.
فحين يؤكد الوزير بوريطة، أن الرباط كانت على علم مسبق بالتوجه الروسي نحو استخدام الفيتو، وأنها لم تسع إلى تفاديه بإضعاف مشروع القرار أو تعديل مقتضياته، فإنه يقدم تفسيرا لاختيار سياسي يقوم على قبول تعثر آني، مقابل فتح المجال لتغيير أوسع في طريقة تدبير الملف.
والفارق كبير بين أن تفاجأ دولة بموقف يعطل حساباتها، وأن تعرفه مسبقا وتقرر المضي في خيارها. غير أن المعرفة المسبقة وحدها لا تكفي لاعتبار ما حدث مكسبا، قيمتها الحقيقية تظهر في البدائل التي جرى إعدادها، وفي قدرة الدبلوماسية على تحويل نتائج التصويت إلى خطوات تخدم الهدف الوطني، من هنا، ينبغي فهم الارتياح المغربي باعتباره تعبيرا عن تقدير سياسي للمرحلة المقبلة، تظل الوقائع اللاحقة هي المعيار الأوضح للحكم على نتائجه.
أبرز ما جاء في تصريحات بوريطة، هو رفض اختزال العمل الدبلوماسي في البحث عن صيغة قابلة للمرور بأي ثمن، فقد أوضح أن المغرب لم يدخل في مسار حذف العبارات أو إضعاف بعض المقتضيات لتجنب الاعتراض الروسي، وهذه نقطة جوهرية، لأن التوافق قد يفقد قيمته عندما يصبح وسيلة لإعادة إنتاج الانتظار، وتتحول المحافظة على المسار إلى غاية مستقلة عن تحقيق تقدم داخله.
لقد راكم ملف الصحراء المغربية، عقودا من الاجتماعات والتقارير والمفاوضات، بما يجعل السؤال عن جدوى الآليات القائمة سؤالا سياسيا مشروعا، فالوسيلة التي لا تقرب الأطراف من التسوية تحتاج إلى تقييم، والإطار الذي يعيد إنتاج الانسداد يستدعي المراجعة، وفي هذا المعنى يمكن قراءة الموقف الذي عرضه الوزير باعتباره محاولة لنقل مركز النقاش من كيفية استمرار التدبير إلى الشروط الضرورية لإحراز تقدم فعلي.
أما عدم محاولة إقناع موسكو بالتراجع، بما في ذلك خلال اللقاء مع سيرغي لافروف، فيكشف، بحسب شرح ناصر بوريطة، عن اختيار واع بتقييم انعكاسات الموقف الروسي، بدل حصر الجهد في تغييره. وقد ربط الوزير هذا التوجه بإمكانية مراجعة قواعد ظلت تؤطر الملف منذ مرحلة سابقة.
لكن ذلك لا يبرر افتراض تطابق المصالح المغربية والروسية، ولا تحويل الخلاف داخل مجلس الأمن إلى حكم شامل على العلاقات بين البلدين، فالدول الكبرى تتحرك وفق حساباتها، وقد تتقاطع نتائج موقف معين مع مصلحة طرف، من دون أن يكون ذلك الطرف هو المقصود بخدمته، والنضج الدبلوماسي يقتضي إدراك هذه المسافة، والحفاظ على قنوات الحوار، مع الدفاع الواضح عن المصالح الوطنية.
كما ينبغي التمييز بين الأثر الإجرائي للفيتو وبين التأويل السياسي لنتائجه، تعطيل مشروع قرار واقعة محددة، أما اعتباره فرصة لتغيير المعادلة فهو رهان يحتاج إلى عمل ومتابعة، ولا يصح تحميل التصويت وحده معنى التسوية النهائية، أو استباق ما سيترتب عليه من ترتيبات أممية، قوة الموقف المغربي تستفيد من الدقة في عرض الوقائع، ومن وضوح الحدود بين ما تحقق وما يجري السعي إلى تحقيقه.
وعلى المستوى الداخلي، يضع هذا التوجه مسؤولية إضافية على الإعلام والأحزاب والفاعلين المدنيين. فالتعبئة الوطنية تصبح أكثر فاعلية حين تشرح الخيارات وتناقش رهاناتها، وتربط الثقة بالمعلومة الدقيقة، أما الاكتفاء بلغة الانتصار في كل محطة، فإنه يضعف القدرة على فهم تعقيدات الملف، ويجعل الرأي العام أقل استعدادا لاستيعاب طبيعة العمل الدبلوماسي وما يقتضيه من وقت وتدرج.
الرهان الذي تطرحه تصريحات بوريطة واضح، ” تجاوز منطق المحافظة على مسار متعثر، والعمل على بناء شروط مسار أكثر إنتاجا”، ونجاح هذا الاختيار سيقاس بقدرته على توسيع التأييد للموقف المغربي، وتقريب أفق التسوية، ومواصلة التنمية بالأقاليم الجنوبية بما يعزز مصداقية المشروع الوطني. عندها تكتسب عبارة “تغيير قواعد اللعبة” معناها العملي، من خلال نتائج يستطيع المواطن ملاحظتها، وتستطيع الدبلوماسية البناء عليها
ح.ا