طاكسيات الرباط -سلا “مثلا”: الحكومة تدعم المحروقات والمهنيون يرفعون التسعيرة .. من يحكم القطاع ومن يحمي جيوب المواطنين؟
أ.عدنان/ حدث كم– أثارت الزيادة في تسعيرة سيارات الأجرة الكبيرة الرابطة بين مدينتي الرباط وسلا موجة من الاستياء والتساؤلات في أوساط المواطنين، الذين وجدوا أنفسهم أمام أمر واقع يفرض عليهم أداء مبلغ إضافي مقابل تنقلاتهم اليومية، دون أن تتضح لهم الأسباب الحقيقية لهذه الزيادة، أو الجهة التي اتخذت قرار تطبيقها، أو ما إذا كانت تستند إلى ترخيص رسمي صادر عن السلطات المختصة.
والمثير للاستغراب أن هذه الزيادة تأتي بالتزامن مع إعلان الحكومة عن تخصيص دعم مالي استثنائي جديد لمهنيي النقل الطرقي، بمن فيهم أصحاب سيارات الأجرة، بهدف التخفيف من تداعيات ارتفاع أسعار المحروقات، والحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين، وضمان استقرار أسعار خدمات النقل.
فقد أعلنت الحكومة، يوم الخميس 5 نونبر 2026، عن تخصيص غلاف مالي بقيمة 400 مليون درهم لدعم مهنيي النقل خلال النصف الأول من شهر نونبر، في إطار استمرار آلية الدعم الاستثنائي التي أطلقتها لمواجهة تقلبات أسعار المحروقات.
وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: إذا كانت الدولة تخصص مئات الملايين من الدراهم لدعم مهنيي النقل والحد من انعكاسات ارتفاع أسعار المحروقات على المواطنين، فلماذا يجد المواطن نفسه مطالبا بأداء زيادة جديدة في تسعيرة سيارة الأجرة؟ وما الجدوى من الدعم العمومي إذا لم تنعكس آثاره على استقرار الأسعار؟
إن القضية لا تتعلق فقط بدرهم إضافي يدفعه المواطن مقابل التنقل بين الرباط وسلا، بل بمنطق تدبير قطاع حيوي يرتبط مباشرة بالحياة اليومية لآلاف المواطنين، وبمدى قدرة السلطات العمومية على فرض احترام القوانين والقرارات المنظمة له.
فالمواطن الذي يستعمل سيارة الأجرة مرتين أو أكثر يوميا للذهاب إلى عمله والعودة منه، سيجد نفسه أمام مصاريف إضافية تتراكم شهريا، في وقت أصبحت فيه القدرة الشرائية للأسر المغربية تواجه ضغوطا متزايدة بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة.
فالزيادة في تسعيرة النقل العمومي ليست قرارا شخصيا يتخذه السائق أو مجموعة من المهنيين، وإنما يفترض أن تخضع للمساطر التنظيمية المعمول بها، وتراعي التوازن بين كلفة الخدمة والقدرة الشرائية للمواطنين.
والسؤال الذي ينبغي طرحه اليوم على السلطات المختصة، وفي مقدمتها ولاية جهة الرباط سلا القنيطرة، هو ما إذا كانت الزيادة المطبقة على الخط الرابط بين المدينتين تستند إلى قرار إداري رسمي، أم أنها مبادرة اتخذها بعض المهنيين دون الحصول على الترخيص المطلوب.
فإذا كانت الزيادة قانونية، فمن حق المواطنين معرفة القرار الذي أقرها ومبرراته الاقتصادية والاجتماعية. أما إذا كانت غير مرخص بها، فإن استمرار تطبيقها يطرح إشكالية جدية تتعلق بفعالية المراقبة ومدى قدرة السلطات على حماية مستعملي النقل العمومي.
والأكثر إثارة للقلق هو الشعور الذي قد يتولد لدى المواطنين بأن بعض التنظيمات المهنية أصبحت تمتلك من قوة الضغط ما يسمح لها بفرض اختياراتها على أرض الواقع، دون انتظار الحسم الإداري أو مراعاة الانعكاسات الاجتماعية لقراراتها.
فهل نحن أمام محاولة للضغط على الدولة من أجل الحصول على امتيازات إضافية؟ وهل تستعمل بعض الأطراف داخل القطاع ورقة النقل اليومي للمواطنين لفرض مطالبها؟ أم أن الأمر يتعلق بضعف في المراقبة وغياب التواصل الرسمي مع الرأي العام؟
إنها أسئلة مشروعة تفرضها طبيعة الوضع، لكنها تحتاج إلى أجوبة واضحة ومعطيات موثقة، بعيدا عن توجيه اتهامات غير مؤسسة إلى المهنيين أو ممثليهم.
وما يزيد هذه القضية تعقيدا أن الدعم الحكومي المخصص لقطاع النقل ليس إجراء معزولا، بل يندرج ضمن سياسة عمومية كلفت خزينة الدولة مبالغ مالية مهمة منذ إطلاق آلية الدعم الاستثنائي.
ومن حق المواطنين، والحالة هذه، أن يتساءلوا عن فعالية هذه السياسة، وعن المستفيد الحقيقي منها، وعن مدى انعكاس الأموال العمومية المصروفة على استقرار الأسعار وجودة خدمات النقل.
فليس من المنطقي أن تتحمل الدولة جزءا من ارتفاع تكاليف المحروقات، ثم يتحمل المواطن بدوره جزءا إضافيا من هذه التكاليف عبر الزيادة في التعريفة، دون تفسير واضح يبرر هذا الجمع بين الآليتين.
إن الدعم العمومي لا ينبغي أن يتحول إلى مورد إضافي منفصل عن الأهداف الاجتماعية التي خصص من أجلها، كما لا ينبغي أن يكون مجرد استجابة ظرفية لضغوط مهنية، دون تقييم لنتائجه ومدى استفادة المواطنين منه.
فلا يمكن أن تتحول الحاجة اليومية إلى وسائل النقل إلى وسيلة لفرض زيادات يصعب على المواطن الاعتراض عليها، لأنه ببساطة لا يملك دائما خيارا آخر للوصول إلى عمله أو قضاء مصالحه.
إن القضية في جوهرها ليست مواجهة بين المواطنين وسائقي سيارات الأجرة، بل اختبار لمدى قدرة الدولة على تحقيق التوازن بين مطالب المهنيين وحقوق المستعملين، وعلى ضمان أن تصل آثار الدعم العمومي إلى الغاية التي أعلن من أجلها.
ويبقى السؤال الأكبر، الذي يحتاج إلى جواب صريح من الجهات المسؤولة: هل أصبحت بعض مكونات قطاع النقل تمتلك قوة ضغط تجعل قراراتها واقعا مفروضا على المواطنين، أم أن السلطات لا تزال قادرة على فرض القانون وحماية المصلحة العامة؟