“المرتفقون في وضعية إعاقة: شروط الولوج المرفقي والإدماج الإداري” موضوع دراسة توصي بتعزيز التأطير التنظيمي
أوصت دراسة تم تقديمها اليوم الثلاثاء بسلا، حول موضوع “المرتفقون في وضعية إعاقة: شروط الولوج المرفقي والإدماج الإداري”، بتعزيز التأطير التنظيمي الداخلي لولوج الأشخاص في وضعية إعاقة داخل الإدارات العمومية.
وأكدت الدراسة التي أنجزتها مؤسسة وسيط المملكة، بشراكة مع كتابة الدولة المكلفة بالإدماج الاجتماعي والمرصد الوطني للتنمية البشرية، بمناسبة اليوم الوطني للأشخاص في وضعية إعاقة، بهدف تشخيص واقع الولوجيات المادية والإجرائية والرقمية داخل الإدارات العمومية، على أهمية تعزيز التأطير التنظيمي الداخلي، خاصة من خلال تعميم إعداد دلائل داخلية موحدة لتدبير ولوج الأشخاص في وضعية إعاقة تشمل الولوج الفيزيائي والتواصلي والرقمي والإجرائي.
وأوصت الدراسة، التي تهدف أيضا إلى تحليل مضمون التظلمات ذات الصلة بالإعاقة الواردة على وسيط المملكة، واستخلاص مؤشرات أولية حول الإدماج المرفقي، بتطوير الولوج الفيزيائي الشامل، عبر إطلاق برنامج وطني عاجل لتشخيص وتأهيل المرافق العمومية وفق معايير الولوج الشامل، وترسيخ الولوج الرقمي كحق، من خلال اعتماد مرجعية وطنية للولوج الرقمي وإلزام جميع المنصات العمومية بها.
ودعت الدراسة إلى الاستثمار في التكوين والموارد البشرية، وتطوير الإدماج المهني داخل الإدارات، عبر إحداث آلية مركزية لتتبع إدماج الموظفين في وضعية إعاقة تشمل تكييف المهام وفضاءات العمل والمواكبة، بالإضافة إلى إرساء الحكامة والتتبع والتقييم، وإشراك الأشخاص في وضعية إعاقة والمجتمع المدني، من خلال تعزيز آليات التظلم عبر قنوات ميسرة ومتنوعة مع مراعاة خصوصية الإعاقة.
وكشفت هذه الدراسة أن إجراءات الاستقبال وتقديم الخدمات تعد من أكثر المجالات التي أظهرت تقدما ملحوظا في الممارسة الإدارية، حيث أفادت بأن 90.5 في المئة من الإدارات تقوم بتكييف بعض المساطر لفائدة الأشخاص في وضعية إعاقة، إما بشكل منتظم أو حسب الحالة، فيما تعتمد 78.5 في المئة إجراءات خاصة أثناء الاستقبال.
وفي كلمة بالمناسبة، قالت وزيرة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، نعيمة بنيحيى، إن هذه الدراسة تهدف إلى توفير معطيات وصفية حول كيفية تدبير ولوج الأشخاص في وضعية إعاقة إلى المرافق والخدمات العمومية داخل الإدارات والمؤسسات العمومية، وتحليل واقع تعامل الإدارة العمومية مع المرتفقين في وضعية إعاقة، من زاوية النفاذ المرفقي، وجودة الاستقبال، وملاءمة المساطر، وفعالية التدابير التيسيرية الملائمة، ورصد الإكراهات العملية المسجلة، وكذا المبادرات والممارسات الجيدة المعتمدة في هذا المجال، بالإضافة إلى التعرف على ظروف اشتغال الموظفين في وضعية إعاقة داخل الإدارات العمومية.
وشددت على أن الولوج المرفقي والإدماج بشكل عام يعتبران أولوية في مجال الإعاقة، ولا يمكن تحقيقهما إلا بتوفير بنيات تحتية وموارد بشرية متخصصة،مؤكدة على الأهمية البالغة التي تكتسيها الولوجيات، باعتبارها ليست فقط كبنية تحتية بل حقا من حقوق الإنسان يتيح الاستقلالية ويضمن تكافؤ الفرص.
واعتبرت أن الإدماج الإداري يتحقق عن طريق وضع الوسائل الضرورية التي تتطلبها وضعية الإعاقة، ومنها وسائل العمل اللوجيستية والرقمنة وتعزيز قدرات الموارد البشرية في كل وضعية على حدة.
من جهتها، اعتبرت وزيرة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، أمل الفلاح السغروشني، أن الولوج إلى المرافق العمومية والخدمات الإدارية يمثل معيارا فعليا لقياس نجاعة الإصلاح الإداري، ومستوى احترام حقوق الإنسان، ومدى قدرة الإدارة على التكيف مع تنوع أوضاع المرتفقين، موضحة أنه حين تكون الإدارة مهيأة، واضحة المساطر، وسهلة الولوج ومراعية للاحتياجات الخاصة، فإنها تعزز الثقة وترفع من جودة الأداء وتجسد المرفق العمومي في معناه الإنساني والمؤسساتي الراقي.
وسجلت أن الدراسة التي تم عرض خلاصاتها اليوم، أبرزت أهمية الانتقال من منطق المبادرات المتفرقة إلى منطق السياسة العمومية المندمجة، مشيرة إلى أن النتائج المسجلة تبرز من جهة وجود مجهودات وممارسات إيجابية تستحق التثمين، كما تكشف من جهة أخرى عن اختلالات بنيوية تستدعي مزيدا من التعبئة والتنسيق والتأطير.
ولفتت إلى أن الدراسة بينت أن 26 في المئة فقط من الإدارات تتوفر على وثيقة أو توجيه مكتوب ينظم ولوج الأشخاص في وضعية إعاقة، وهي النسبة نفسها تقريبا المسجلة بخصوص تعيين شخص أو مصلحة داخلية مكلفة بالمتابعة، وهو ما يدل على الحاجة إلى ترسيخ تأطير تنظيمي داخلي وجعله قاعدة مؤسساتية واضحة.
أما رئيس المرصد الوطني للتنمية البشرية، عثمان كاير، فاعتبر أن هذه الدراسة التي أنجزت بشراكة مؤسساتية تشكل محطة مهمة للتشخيص الواقعي للولوجيات بمختلف أبعادها المادية والإجرائية والرقمية، وكذا رصد شروط الإدماج المهني داخل الإدارات العمومية. وقال إن نتائج هذه الدراسة أبرزت مجموعة من المعطيات الدالة، من بينها أن نسبة مهمة من الإدارات لا تزال تفتقر إلى تأطير تنظيمي واضح في مجال ولوج الأشخاص في وضعية إعاقة، كما كشفت النتائج عن تفاوت في مستوى الولوج الرقمي رغم تسجيل بعض التقدم في تبسيط المساطر وتكييف الخدمات.
وذكر في المقابل، أن هذه النتائج كشفت عن وجود وعي متزايد لدى الإدارات بأهمية اعتماد تدابير تيسيرية، سواء من خلال تخصيص إجراءات استقبال ملائمة أو تكييف بعض الخدمات، وهو ما يعكس دينامية إيجابية ينبغي تعزيزها وتطويرها.
من جانبه، أكد وسيط المملكة، حسن طارق، أن المغرب راكم خلال السنوات الأخيرة تقدما معتبرا في تدبير سياسة الأشخاص في وضعية إعاقة، من خلال إرادة معلنة وخيارات معيارية مكرسة وجهد مؤسساتي متواصل، مشيرا إلى أن هذا لا يعني غياب الحاجة الماسة لمساءلة المنجز ولتقييم الممارسة ولتدارك الزوايا المظلمة في تدبير هذا الملف.
واعتبر أن هذا الموضوع “يحمل بالنسبة لمؤسسة وسيط المملكة معنى يتصل جوهريا بالوظيفة الأصلية للوساطة بوصفها بحثا عن الإنصاف، في اللحظة التي تلتقي فيها عمومية النص مع خصوصية الحالة الإنسانية، وتختلط فيه معيارية القاعدة مع أثر اللاعدالة الذي تنتجه في التطبيق، وتصطدم فيه تجريدية القانون مع تعقيدات الواقع”.
وقال إن هذا اللقاء يمنح فرصة ثمينة لتجديد فهم الإدماج المرفقي بوصفه جزءا من صورة الدولة الاجتماعية وهي تبحث عن صيغ أوفى لعدالة أقرب إلى الكرامة، وأشد التصاقا بالاحتياجات الفعلية للمواطنين، مؤكدا أنه عندما تنجح الإدارة في جعل الولوج قاعدة في تصميم خدماتها وقاعدة في ترتيب فضاءاتها ومرجعا في تكوين مواردها البشرية وتطوير منصاتها ومساطرها، فإنها تمنح المواطنة معنى أكثر امتلاء، وتقدم للإنصاف صورة ملموسة في الحياة اليومية للناس.
ح/م