من البرنامج الانتخابي إلى مشروع مجتمعي.. قضية النساء كبوصلة للتجديد السياسي

+ خديجة الكور: في لحظة سياسية دقيقة، لم يعد الاكتفاء بإعداد برامج انتخابية تقليدية كافياً لإقناع المواطن أو لاستعادة ثقته. لقد اختار حزبنا أن ينتقل من منطق البرنامج إلى أفق المشروع المجتمعي، ومن حسابات المدى القصير إلى بناء رؤية ممتدة، ومن لغة الوعود إلى منطق المعنى والمسؤولية. وليس هذا التحول مجرد خيار تكتيكي أو استجابة ظرفية، بل هو تعبير عن وعي عميق بأزمة مزدوجة: أزمة الثقة بين المواطن والفاعل السياسي، وأزمة المعنى التي باتت تُثقل كاهل الفعل العمومي.

في سياق وطني متطلب، يتقاطع مع بيئة دولية مضطربة، لم يعد المواطن المغربي ينتظر قوائم من الالتزامات يصعب التحقق منها أو تنفيذها. ما ينتظره اليوم هو رؤية واضحة، وانسجام في التوجهات، ومصداقية في الإنجاز. وهنا تبرز أهمية المشروع المجتمعي، ليس كبديل شكلي، بل كإطار يؤسس لسياسة ذات نفس طويل، تُعيد ترتيب الأولويات وتمنح الفعل العمومي عمقه الاستراتيجي.

 فالمشروع المجتمعي لا يُختزل في حزمة إجراءات أو تدابير قطاعية، بل هو تصور شامل يحدد ملامح المجتمع المنشود، ويجيب عن أسئلة جوهرية: أي نموذج مجتمعي نريد؟ كيف نوازن بين الهوية والتحديث ومتطلبات التنمية؟ وما موقع العدالة الاجتماعية في ظل التحولات المتسارعة؟ ثم، وهو السؤال المركزي، ما مكانة النساء داخل هذا البناء؟

 إن أي مشروع مجتمعي لا يجعل من قضية النساء محوراً أساسياً له، يظل مشروعاً ناقصاً، مهما بلغت طموحاته. لقد تم التعامل مع هذه القضية، لسنوات طويلة، باعتبارها مجرد بند ضمن بنود أخرى، أو فصلاً معزولاً في البرامج الانتخابية. غير أن هذا المنطق لم يعد مقبولاً اليوم. فقضية النساء ليست تفصيلاً قطاعياً، بل هي مدخل تحليلي شامل، ومبدأ مهيكل يجب أن يخترق كل السياسات العمومية دون استثناء.

 ذلك أن وضعية النساء تُعد مؤشراً حاسماً على مستوى العدالة الاجتماعية، ونجاعة السياسات العمومية، وجودة الممارسة الديمقراطية، بل وعلى دينامية الاقتصاد الوطني. وإدماج هذا البعد في صلب المشروع المجتمعي لا يعني إضافة مطلب اجتماعي جديد، بل يعني إعادة تعريف الأولويات الوطنية وفق مقاربة أكثر عدلاً وصرامة.

 ومن موقعنا داخل منظمة النساء الحركيات، فإن مسؤوليتنا لا تقتصر على مواكبة هذا التوجه، بل تمتد إلى مساءلته وتغذيته بمضامين عملية. وهذا يقتضي التأكيد بوضوح على أن حضور النساء في هذا المشروع لا يمكن أن يكون رمزياً أو هامشياً، بل يجب أن يكون حضوراً مؤسساً وموجهاً.

 ويستدعي ذلك، أولاً، ترسيخ مبدأ العدالة الجندرية كمرتكز بنيوي، يضمن ليس فقط تكافؤ الحقوق، بل تحقيق المساواة الفعلية في الولوج إلى الفرص والموارد وآليات الحماية. كما يفرض، ثانياً، إدماج هذا البعد بشكل عرضاني في مختلف السياسات العمومية، من التعليم إلى الاقتصاد، ومن العالم القروي إلى الحكامة الترابية، وصولاً إلى التحول الرقمي. أما ثالثاً، فيتطلب تجاوز منطق التمثيلية الشكلية نحو تمكين النساء من التأثير الحقيقي في صناعة القرار، والمساهمة الفعلية في توجيه الخيارات الاستراتيجية للدولة.

 وإذا كان المشروع المجتمعي يُقدَّم كمدخل لاستعادة الثقة، فإن قضية النساء تظل أحد أبرز معايير اختبار صدقيته. فالمواطنات المغربيات، ومعهن المجتمع ككل، لن يقيسن هذا الطموح بالخطاب، بل بمدى قدرته على إحداث تحولات ملموسة، متناسقة ومستدامة. فالمصداقية السياسية لا تُمنح، بل تُبنى عبر التزام صادق وتنفيذ فعلي.

 إن الرهان على مشروع مجتمعي بدل برنامج انتخابي يفتح أفقاً نادراً لإعادة صياغة تعاقدنا السياسي على أسس أكثر متانة. غير أن هذا الأفق لن يتحقق إلا إذا كانت قضية النساء حجر الزاوية في هذا البناء، لا كملف قطاعي، بل كشرط حاسم لنجاح جماعي.

فلا مشروع مجتمعي دون عدالة جندرية، ولا تجديد سياسي دون النساء.

+ خديجة الكور: رئيسة منظمة النساء الحركيات

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.