من المستفيد من “الصمت!” على ملفات تضارب المصالح .. وشبهات “التلاعب في أثمان كراء العقارات لفائدة الدولة؟!

يثار الحديث في كل مناسبة، عن تضارب المصالح في قضايا الصفقات العمومية والعقار والصيد البحري والمأذونيات وغيرها من الملفات التي تحولت إلى مادة دسمة للنقاش السياسي والإعلامي، لكن هناك نموذج  آخر “مسكوت” عنه في النقاش العمومي، رغم ما يطرحه من أسئلة حقيقية حول تدبير المال العام، والاغتناء بطرق ملتوية في ملفات كراء العقارات الخاصة لفائدة الإدارات والمؤسسات العمومية .

ففي الوقت الذي تنشغل فيه الصحافة الوطنية بكل اصنافها، وبعض الأحزاب السياسية في البرلمان ، وهيئات الحكامة،  بتتبع مظاهر الريع في بعض القطاعات، يظل موضوع “السومة الكرائية” التي تؤديها الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية لمالكي العقارات “الخاصة” لاشخاص من ” نوع خاص أيضا”  بعيدا عن دائرة الضوء، رغم أن المبالغ “المؤداة” مقابل كراء عمارات او فيلات او منازل ،   تثير الكثير من علامات الاستفهام حول مدى احترام “اثمان السوق”  لترشيد النفقات العمومية، حيث ان التساؤل ليس على مبدأ الكراء في حد ذاته، فهو آلية قانونية وإدارية معمول بها في مختلف دول العالم عندما تقتضي الضرورة ذلك، لكن المبالغ التي يتم اداؤها في الكراء، في نظر كثير من المتتبعين، غير منسجمة مع القيمة الحقيقية للعقار الذي لا يساوي الربع من المبالغ التي تؤديها الدولة .

فحين تؤدي جهة عمومية مبالغ شهرية أو سنوية مرتفعة لسنوات قليلة، مقابل استغلال بناية أو فيلا أو مقر إداري، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كان خيار الاقتناء أو البناء لم يكن أكثر جدوى من الناحية الاقتصادية.

وتزداد حدة هذه التساؤلات عندما يتبين أن مجموع المبالغ المؤداة في إطار الكراء قد يعادل أو يفوق القيمة الإجمالية للعقار نفسه. ففي مثل هذه الحالات لا يعود النقاش مرتبطا فقط بترشيد النفقات، بل يمتد إلى البحث في الخلفيات التي تجعل الإدارة تفضل الاستمرار في أداء واجبات كرائية مرتفعة بدل الاستثمار في اقتناء أصل عقاري دائم يدخل ضمن ممتلكات الدولة ويحافظ على المال العام.

كما أن هذا الملف يطرح إشكالية أخرى تتعلق بالشفافية وتدبير تضارب المصالح. والاسئلة المطروحة لدى المتتبعين: كيف يتم اختيار العقارات المكتراة، وما هي المعايير المعتمدة في تحديد السومة الكرائية، ومن هي الجهات التي تقوم بالتقييم، وهل توجد آليات مستقلة للمراقبة والتدقيق تضمن عدم استفادة أطراف معينة من مواقع القرار أو من علاقاتها ونفوذها لتحقيق أرباح استثنائية على حساب الخزينة العامة؟.

وإذا كانت القوانين المغربية تتضمن مقتضيات تتعلق بالحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة وحماية المال العام، فإن تفعيل هذه المبادئ يقتضي توسيع دائرة الرقابة لتشمل مختلف أوجه الإنفاق العمومي، بما فيها عقود الكراء و “الخبرة” على العقارات المكتراة،  التي قد تبدو في ظاهرها معاملات إدارية عادية، لكنها قد تتحول في بعض الحالات إلى مصدر “الاغتناء” على حساب  الموارد العمومية.

إن النقاش حول تضارب المصالح لا ينبغي أن يظل محصورا في الملفات التي تحظى بتغطية إعلامية واسعة أو التي تثير الجدل السياسي الموسمي، بل يجب أن يمتد إلى كل المجالات التي يلتقي فيها القرار العمومي بالمصلحة الخاصة..

ولذلك فإن الحاجة تبدو اليوم ملحة لإجراء افتحاص شامل لعقود الكراء التي تبرمها مختلف الإدارات والمؤسسات العمومية، وتقييم جدواها الاقتصادية، ومقارنتها بخيارات الاقتناء أو البناء، مع نشر المعطيات الأساسية المتعلقة بها تكريسا لمبدأ الشفافية.

حيث ان حماية المال العام لا تتوقف عند محاربة الرشوة أو كشف الصفقات المشبوهة فقط، بل يجب ان تشمل كذلك التدقيق في كل أشكال الإنفاق التي قد تتحول، تحت غطاء القانون والإجراءات الإدارية، إلى نزيف صامت يستنزف موارد الدولة دون أن يثير الضجيج الذي تثيره الملفات الأخرى.

ح.ح/ح

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.