حمل الخطاب الملكي السامي، بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد، رؤية واضحة للمرحلة التي يجتازها المغرب، ورسالة قوية مفادها أن ما تحقق من مكاسب لم يكن وليد الصدفة أو نتيجة قرارات ظرفية، وإنما ثمرة توجه استراتيجي متواصل، قائم على المبادرة والمتابعة الدقيقة والنقد الذاتي البناء، واستشراف المستقبل بعزم وثقة.
فالاعتزاز بالإنجازات، كما أكد جلالة الملك، لا يعني الركون إلى الرضا عن الذات أو تجاهل الاختلالات، وإنما يشكل أساسا نفسيا وسياسيا لمواصلة العمل. ذلك أن الثقة في المكتسبات تمنح الدولة والمجتمع القوة الضرورية لمواجهة التحديات، بينما لا تنتج خطابات اليأس والإحباط سوى التشكيك والتردد وإضعاف القدرة الجماعية على البناء.
وتكتسي هذه الرسالة أهمية خاصة في مرحلة وصفها جلالة الملك بالفاصلة في المسار التنموي للمملكة، حيث ان المغرب يقف اليوم أمام منعطف يتطلب تثمين ما تحقق، من دون التوقف عنده، وتسريع تنفيذ المشاريع والإصلاحات الكبرى، مع تصحيح أوجه القصور ومعالجة الفوارق التي ما تزال تؤثر في استفادة المواطنين من ثمار التنمية.
ومن أبرز النقط التي توقف عندها الخطاب الملكي قيمة الأمن والاستقرار ونجاعة مؤسسات الدولة، ففي محيط إقليمي ودولي مطبوع بالأزمات والتوترات والتقلبات، أصبح الاستقرار السياسي والمؤسساتي بالفعل عملة نادرة ورأسمالا استراتيجيا لا يقدر بثمن. ولا يمكن لأي بلد أن يحقق تنمية مستدامة أو يجذب الاستثمارات أو ينفذ المشاريع الكبرى في غياب مؤسسات مستقرة وقادرة على ضمان الاستمرارية.
غير أن الاستقرار، في مدلوله الحقيقي، لا يعني الجمود أو الاكتفاء بالمحافظة على الوضع القائم، بل ينبغي أن يكون قاعدة للإصلاح والتقدم، فقيمته تقاس بقدرته على حماية المجتمع، وتوفير شروط النمو، وضمان استمرار المؤسسات، وتمكين الدولة من الاستجابة السريعة للازمات وانتظارات المواطنين.
وقد أثبت المغرب هذه القدرة في مناسبات متعددة، سواء من خلال التنظيم المحكم للتظاهرات القارية والدولية، أو عبر تدبير الكوارث والأزمات بأسلوب استباقي، وتعكس هذه النجاحات نضج المؤسسات الوطنية وقدرتها على التنسيق والعمل بانسجام، كما تعزز صورة المملكة ومكانتها لدى شركائها وفي المحافل الدولية.
كما حمل الخطاب الملكي تصحيحا مهماا لطريقة قراءة المنجزات الاقتصادية والاجتماعية، عندما أكد أن هذه المكاسب تتجاوز الزمنين الحكومي والبرلماني، لأنها نتيجة تراكمات إيجابية تحققت على امتداد سنوات، في إطار اختيارات استراتيجية كبرى للدولة.
وهذا التوضيح يضع العمل الحكومي في إطاره الصحيح، فالحكومات تتعاقب، لكن المشاريع الوطنية الكبرى تستمر، لأنها ليست مرتبطة بولاية انتخابية محدودة، بل برؤية بعيدة المدى، ومن هنا، يصبح واجب كل حكومة هو البناء على ما تحقق، وتسريع الإنجاز، وتجاوز التعثرات، بدلاً من البدء في كل مرة من نقطة الصفر أو تحويل السياسات العمومية إلى موضوع للمزايدات الحزبية.
وتكتسب الإشارة الملكية إلى الانتخابات التشريعية المقبلة وتشكيل حكومة جديدة، دلالة سياسية وتنموية عميقة، فالمرحلة التي ستعقب الاستحقاقات الانتخابية ليست مجرد انتقال بين حكومتين، بل يفترض أن تؤسس لدورة جديدة في المسار التنموي للمغرب، عنوانها تحصين المكاسب ومواصلة المشاريع والإصلاحات الكبرى.
وهذا التوجه يضع الأحزاب السياسية أمام مسؤولية مضاعفة، فالمطلوب منها تجاوز منطق الشعارات والصراعات الشخصية، وتقديم برامج واقعية قادرة على مواكبة التحولات التي تعرفها المملكة والاستجابة لأولويات المواطنين، كما أن الحكومة المقبلة ستكون مطالبة بتحويل التوجهات الاستراتيجية إلى نتائج ملموسة، يشعر بها المواطن في معيشه اليومي، وفي التشغيل والتعليم والصحة والحماية الاجتماعية والقدرة الشرائية.
إن الخطاب الملكي لم يكن احتفاءً بما تحقق فقط، بل دعوة إلى استثمار الثقة والاستقرار في فتح أفق تنموي جديد، فالمرحلة المقبلة تقتضي الحفاظ على المكتسبات، مع التحلي بالشجاعة اللازمة للاعتراف بالنواقص وتصحيحها، لأن النقد الذاتي البناء ليس تعبيراً عن الضعف، بل شرطاً من شروط الحكامة الجيدة والتقدم.
وبين الاعتزاز بما تحقق والتطلع إلى ما ينبغي تحقيقه، رسم الخطاب الملكي معالم طريق واضحة، دولة قوية بمؤسساتها، مستقرة في اختياراتها، واثقة في إمكاناتها، لكنها ترفض الركون إلى الإنجازات السابقة، وتتطلع باستمرار إلى بناء مغرب أكثر تقدماً وعدلاً وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل.
حدث كم