في قراءة وتحليل عميقين لموضوع الهجرة كظاهرة دولية وعالمية تفاقمت خلال 20 سنة الأخيرة،نجد أن أسبابها كثيرة، لكن أهم سبب هو التوزيع الغير عادل للثروات في العالم ،كما أن نتائج الحرب العالمية الثانية قد قسمت العالم إلى دول متقدمة ودولة نامية وأخرى متخلفة، هذه الوضعية جعلت البلدان المتخلفة تزداد تخلفا ،والمتقدمة تزداد تقدما.
كانت الهجرة في البداية قد إبتدأت بطلب من الدول الأوروبية والغربية لبناء إقتصاد أوروبا والغرب في بداية السبعينات، وهذا الجيل هو الذي كون عند الأجيال التي أتت بعده ما سمي بالحلم الأوروبي، وبالتالي أصبح ثلثا العالم من آسيا وإفريقيا يحلم بالهجرة إلى أوروبا وإلى الولايات المتحدة الأمريكية، وبالتالي ظهرت فكرة الهجرة كأفق عالمي للعيش والحياة وتسوية الوضعية الاجتماعية، لكن بعد توالي الأزمات الإقتصادية الدولية وتراجع اقتصادات الدول الأوروبية منذ الأزمة المالية لسنة 2008، تبخر هذا الحلم وتحول إلى تجارة دولية غير شرعية عابرة للحدود والقارات وعجزت أمامه الدول الأوروبية وغيرها.
أردت بهذه المقدمة أن أوضح أن هجرة الأفارقة وبعض المغاربة إلى سبتة طمعا فى الوصول إلى أوروبا مرتبط بمنظومة دولية ووضع اقتصاد دولي متذبذب وسياسات دولية غير عادلة بين “دول الشمال ودول الجنوب”، وليس مرتبط بالضرورة بالظروف الاقتصادية المحلية، كما أن الهجرة إلى أوروبا في نظر الشباب وغيرهم هي تصور مخيالي وإعلامي وثقافي وليس واقعي، ولا يستهوي العاطلين فقط، وأنما يستهوي جميع الطبقات الإجتماعية.
وإذا كانت الهجرة غير النظامية هي المعروفة إعلاميا فإن هناك هجرة منظمة أخرى بالآلاف نحو كندا والولايات المتحدة الأمريكية تستهوي الطبقة المتوسطة والذين لهم عمل قار وظروف جيدة في بلدانهم بما فيهم المغرب، حيث هاجر عدد كبير من المغاربة إلى كندا وإلى الولايات المتحدة الأمريكية بطريقة منظمة وبشروط خاصة، لكنهم لم يجدوا حلمهم المنشود، وإنما وجدوا أنفسهم بين ستة شهور في طقس بارد وجليد وبين ستة شهور أعمال شاقة، مع غياب تام لجمع أي ثروة تذكر على سبيل المثال في كندا.
أعطيت هذا المثال فقط،والأمثلة كثيرة في العديد من الدول الأوروبية وغيرها،وبالتالي فإن التصور المخيالي المفترض تسبب في وقوع ضحايا لحلم مفقود يبحث عنه الجميع، وبالتالي فإن الأسباب الحقيقية ليست هو الفقر وإنعداما للشغل،وإنما هو حلم يسوق له بسذاجة إعلاميا وفي وسائل التواصل الاجتماعي،فعندنا نجد أما تبحث عن بنتها ذات 12 سنة في أحداث سبة،وهي لازالت تدرس وترعاها أسرتها رعاية كاملة،وغيرهم من القاصرين،وتذهب إلى مغامرة في هجرة مجهولة المآل بدون علم أهلها،فإن الأمر يتطلب دراسة عميقة لحملات التضليل والتسويق والانسياق وراءها بكل سذاجة.
سنترك أحداث سبتة ونذهب إلى أحداث الهجرة في قارة أخرى من المكسيك ومن دول أمريكا اللاتينية إلى الولايات المتحدة الأمريكية التي نظمت كأس العالم مؤخرا، ليتضح بأن الأمر لايتعلق بالضرورة فقط بالتنمية الاقتصادية وإنما بعوامل أخرى أكثر عمقا وتصورا.
وفقا للإحصاءات للمنظمة الدولية للهجرة فإننا نجد أنه منذ عام 2014 وحتى نهاية عام 2023، سُجل أكثر من 9,200 حالة وفاة أو اختفاء للمهاجرين على طرق الهجرة المتوجهين إلى أمريكا الشمالية من دول أمريكا اللاتينية،وللإشارة فإن تقارير منظمة الهجرة الدولية (وهي تقارير متوفرة للعموم)تقدر فقط على الحدود بين المكسيك والولايات المتحدة وحدها، عدد الوفيات منذ عام 2014 بمئات الآلاف، ففي عام 2023 وحده،سُجل ما لا يقل عن 1,267 حالة وفاة أو اختفاء للمهاجرين نحو أمريكا الشمالية،ونصف هذا العدد تقريبا على طول الحدود الأمريكية–المكسيكية، ووفقا لتقرير منظمة الهجرة العالمية كذلك،فإنه ما لا يقل عن 1,600 طفل لقوا حتفهم أو فُقدوا على طرق الهجرة حول العالم منذ عام 2014، مع صعوبة تحديد العدد الحقيقي بسبب نقص الإحصاءات غير مسجلة رسميا،وسأكتفي بهذه الأرقام لأن بعض الأرقام الأخرى صادمة.
سأعود هنا إلى الهجرة بين دولة المكسيك والولايات المتحدة الأمريكية التي تشكل تحديا كبيرا للولايات المتحدة الأمريكية حتى أصبح هذا الموضوع جزءا كبيرا من السياسة الداخلية للولايات المتحدة الأمريكية وجزءا من برامجها في حملاتها الانتخابية سواء تعلق الأمر بالحزب الديمقراطي أو الجمهوري، وسنسلط الضوء على دولة المكسيك كقوة إقتصادية كبرى في دول أمريكا اللاتينية، فهي تُعد من أكبر الاقتصادات في العالم، كما أنها قوة إقتصادية وتجارية وصناعية رئيسية،وحسب أرقام البنك الدولي فإن الناتج المحلي الإجمالي لدولة المكسيك يجعلها تحتل المرتبة 12 حسب آخر تصنيف،وحسب معدل القوة الشرائية PPP تأتي بين المركزين 11 و13 عالميا، وفقا لإحصائيات البنك الدولي الأخيرة .
أما على المستوى التجاري فإن المكسيك تُصنف ضمن أكبر 10 دول مصدرة في العالم من حيث قيمة الصادرات الأساسية،كما تُعد من أكبر 10 دول مستوردة عالميا بسوق إستهلاكي كبير جدا، حيث يبلغ حجم تجارتها الخارجية من الصادرات والواردات أكثر من 1.2 تريليون دولار سنويا في العشر السنوات الأخيرة،
ويمكن ذكر قوة الاقتصاد المكسيكي في صناعة السيارات،فهي أكبر منتجي ومصدري السيارات في العالم وخصوصا صناعة قطع غيار السيارات وصناعة الإلكترونيات والأجهزة الكهربائية والصناعات الطبية وصناعة النفط والغاز والمنتوجات الغذائية،كما أن المكسيك عضو في كل من مجموعة العشرين (G20) ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) واتفاقية الولايات المتحدة–المكسيك–كندا (USMCA)، وتُصنف المكسيك كذلك كـأقوى إقتصاد كبير وناشئ (Emerging Market) وواحدة من أهم القوى الاقتصادية والتجارية في أمريكا اللاتينية.
أردت أن أذكر فقط ببعض المؤشرات القليلة من قوة الاقتصاد المكسيكي وتصنيفها دوليا على أكثر من مستوى، لأؤكد بأن الهجرة غير النظامية ليست دائما مرتبطة بتدني مستوى التنمية في البلدان المصدرة للهجرة،فلحد الآن لازال هناك يوميا محاولات من مئات المهاجرين من المكسيك إلى الولايات المتحدة الأمريكية، رغم بناء حائط حديدي عملاق لمواجهة المهاجرين من المكسيك ومن غيرها، حيث تقدر السلطات الأمريكية نحو 238 ألف حالة ضبط على الحدود الجنوبية من جميع الجنسيات سنويا، ويمثل المكسيكيون حوالي 47% منها، أي ما يقارب 112 ألف حالة خلال كل سنة،أي حوالي 300 حالة يوميا في المتوسط، وبالتالي فإن موضوع الهجرة أصبح حلما في مخيلة أي مهاجر كيفما كانت وضعيته في أي دولة متعلما أوغير متعلم عاملا أو عاطلا،فهو يعتقد أنه يمكن تحقيق أحلامه في أقل وقت ممكن وبأقل مجهود،وهذا التصور المخيالي يصعب حذفه من مخيلة الإنسان الذي يعيش خاصة في أكثر من 175 دولة موزعة بين جميع القارات في العالم، ورغم أن مشكل الهجرة بين الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك يخلق توترا دائما بين البلدين،فإن الولايات المتحدة تعد الشريك التجاري الأول للمكسيك،إذ يتجه إليها نحو 80% من الصادرات المكسيكية،مما يجعل اقتصاد البلدين مترابطين بدرجة كبيرة،لأن مصلحة السياسات الإستراتجية تتجاوز بعض المشاكل الإجتماعية والحدودية، ورغم أن مشكل الهجرة غير النظامية بين المكسيك والولايات المتحدة يعتبر الأكثر خطورة وتعقيدا إلا أن الإعلام الدولي لايركز عليه كما ركز أخيرا على أحداث سبتة المغربية المحتلة بشكل متعمد .
أردت بهذه المقارنة التذكير بالملاحظات التالية:
. إن المقاربة الأوروبية تختلف عن المقاربة بين الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك ودول أمريكا اللاتينية،حيث نجد أن الولايات المتحدة الأميركية تقوي اقتصاد المكسيك بفتح أسواقها للمنتوجات المكسيكية عكس الاتحاد الأوروبي الذي يطلب من دول أسيا وإفريقيا على الخصوص حراسة حدود أوروبا بدون مقابل وبدون دفع التكلفة المالية المطلوبة .
أن الولايات المتحدة الأميركية حمت نفسها بتخصيص الأموال اللازمة لبناء حائط حديدي عملاق ولم تلزم به المكسيك،لأن ذلك مرتبط بحماية نفسها وغير مرتبط بحماية حدود المكسيك، عكس إسبانيا التي تضع أسلاكا يمكن تجاوزها في دقائق،كما أن التشريع الأوروبي يريد أن يكون أكثر إنسانية عندما يتعلق بأحداث سبتة،ويكون أكثر قساوة في موضوع استخدام المهاجرين كعبيد في مزارع إسبانيا وإيطاليا بدون تسوية الوضعية القانونية،
كما أن وضع قوانين في إسبانيا حول ظاهرة حماية المهاجرين بحرا،ولو بطريقة غير نظامية،هي اعتداء على السيادة الجغرافية المغربية،لأنها دعوة إلى سكان القارة الإفريقية ليدخلوا إلى المغرب وليعبروا بحرا إلى سبتة مع العلم سكان القارة الإفريقية يبلغ عدد سكانها حاليًا نحو 1.6 مليار نسمة (حوالي 1.6–1.7 مليار)، أي ما يقارب 19% من سكان العالم)،وهذا ماسيحدث مستقبلا،لأن هناك معلومات تفيد بأن المغرب أوقف أمواجا بشرية من إفريقيا كانت قادمة إلى سبتة بسبب بعض القوانين الإسبانية،
علمت أن المغاربة دخل معظهم فضولا لمعرفة الوضيعة في سبتة ورجعوا إلى بلادهم،لنتصور أن الأغلبية كانوا كلهم أفارقة أو من جنسيات مختلفة ورفضوا الخروج،ورفض المغرب قبول عودتهم فماذا سيكون الوضع في سبتة؟ .
(ماحدث هو تنبيه لإسبانيا لتتعامل مع موضوع الهجرة كدولة أوروبية تابعة للإتحاد الأوروبي،كما يجب على إسبانيا فصل موضوع الهجرة على ملفات أخرى حساسة تماما مع المغرب).
. ( ومع الأسف أن الإفلاس السياسي والإقتصادي في أوربا بسبب أزمة أحزابها السياسية أصبحت تستعمل ورقة الهجرة في الإنتخابات للبقاء في السلطة )
. أن النقاش حول الهجرة بين المكسيك والولايات المتحدة متحكم فيه بوعي للسيطرة عليه،وليس مثل مايحدث بين المغرب والاتحاد الأوروبي وإسبانيا حيث يتم الحديث عن أحداث الهجرة كسيلة ضغط وإبتزاز سياسي وإعلامي للمس بالسيادة المغربية والوحدة الترابية للمملكة.
. أردت بهذا المقال التذكير ببعض المواقف والحقائق حتى يبقى النقاش العمومي ببلادنا مؤطرا ولا يتجه نحو زرع الإحباط واليأس الذي تسوق لهما جهات معادية للمغرب،تلك الجهات التي تنتظر الفرصة لتنال من سمعة بلدنا،ماحدث في سبتة هو غير مقبول ويجب معالجته،
ولا ننكر أن المسار التنموي طويل هذا ما أكد عليه خطاب العرش لإستكماله ،ومشكل الهجرة لم تستطع أي دولة القضاء عليه بما الدول التي توجد في مجموعة العشرين وهي المكسيك،وأود أن أشير هنا إلى الوضع الجغرافي الهش لمدينة سبتة لأنها ليس دولة بل هي مدينة فقط مستعمرة ،فمن الناحية العملية ليست هناك حدود جغرافية بمعناها الحقيقي، فالمدينة مغربية متداخلة في محيطها الجغرافي المغربي ويمكن الوصول إليها بسهولة،وهذا ماحصل ، وعليه فإن المغرب ماض بمؤسساته في بناء مساره التنموي وفق رؤية واضحة ويتعامل مع الأحداث بإيجابية بدون تهويل ولاتضخيم، وعدم الوقوع في السريات الجاهزة لأعداء المغرب، نحن شعب قادر على رفع التحديات والحفاظ على مؤسساته الوطنية غافلا عن الضجيج الإعلامي لأوربا وغيرها من الدول التي هجر شعبها مؤسساته وحياته وهو في مكانه مثل دول الجوار .
. رغم بعض الانتقادات الموجهة للمغرب،وفيها جزء كبير تتحمله الحكومة الحالية ،فإن هذه الموجة للمهاجرين المغاربة نحو سبتة والعودة السريعة ستكون لها إجابيات منها،هو قناعة الشباب المغربي بأن فكرة الحلم إلى الضفة الأخرى لم يعد حلما ولا ممكنا،كما الشباب الذين لم يهاجروا أخذوا العبرة من مغامرة تنتهي بسراب موعود .
د. الحسن عبيابة أستاذ جامعي.. ووزير سابق