في كل محطة وطنية كبرى يعيشها المغرب، سواء تعلق الأمر بقضاياه المصيرية وعلى راسها الوحدة الترابية، او بانجازاته الرياضية والدبلوماسية والتنموية، تتجدد صورة خاصة للمغاربة لا تشبه غيرها. صورة شعب لا يكتفي بمتابعة الأحداث عن بعيد، بل يتحول إلى فاعل رئيسي، مدفوعا بشعور عميق بالانتماء والاعتزاز بالوطن. إنها الروح التي اختزلها المغاربة في كلمة واحدة أصبحت تحمل دلالات تتجاوز معناها اللغوي البسيط: “تمغربيت”.
هذه الروح الوطنية لا تظهر فقط في أوقات الرخاء والاحتفال بالنجاحات، بل تتجلى بشكل اكبر في لحظات التحدي والأزمات. فالمغاربة الذين ابانوا عن تضامن استثنائي خلال المحن والكوارث الطبيعية، هم أنفسهم الذين يخرجون بالآلاف في مختلف عواصم العالم للدفاع عن صورة بلدهم والتعبير عن اعتزازهم برايته وإنجازاته.
ولعل ما حققه المنتخب الوطني لكرة القدم خلال السنوات الأخيرة أعاد تقديم المغرب للعالم من زاوية مختلفة. فالأمر لم يعد يتعلق بنتائج رياضية أو بمباريات لكرة القدم فقط، بل أصبح مناسبة لإبراز نموذج فريد من التلاحم بين العرش والشعب والوطن.
فمن كأس العالم 2022 بدولة قطر، إلى الولايات المتحدة الأمريكية في منافسات كاس العالم 2026، لم تكن الجماهير المغربية مجرد مشجعين لفريق وطني، بل سفراء للمغرب وقيمه وثقافته وحضارتهـ ويتجلى ذلك في ما ابهر به العالم بدهشة، مشاهد الجماهير المغربية وهي تملأ المدرجات وترفع الأعلام الوطنية وتردد الأهازيج في الملعب، وهي صورة تعكس ارتباطا استثنائيا بالوطن مهما بعدت المسافات.
كما تداولت وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي صورة رمزية تعبر عن هذا الارتباط، من بينها رحلة سائق سيارة أجرة كبيرة انطلق من مدينة أكادير نحو الولايات المتحدة الأمريكية بسيارته الحاملة للترقيم المغربي، فقط ليعبر عن دعمه ومساندته لأسود الأطلس. قد تبدو “الصورة” للبعض مجرد مبادرة فردية، لكنها في العمق تحمل دلالة أعمق حول طبيعة العلاقة التي تربط المغاربة بوطنهم ورموزه.
إن ما يميز المغرب ليس فقط تاريخه الممتد لأكثر من أربعة عشر قرناً من الاستمرارية السياسية والحضارية، بل قدرته على تحويل هذا الإرث التاريخي إلى شعور جماعي متجدد ينتقل من جيل إلى آخر، فالوطنية لدى المغاربة ليست شعارا مناسباتيا، وإنما سلوك يومي وثقافة مجتمعية تتجلى في الدفاع عن المصالح العليا للبلاد، وفي التفاعل الإيجابي مع نجاحاتها، وفي الحرص على تقديم صورة مشرفة عنها داخل الوطن وخارجه.
إن “تمغربيت” ليست مجرد مفهوم عاطفي أو خطاب للاستهلاك الإعلامي، بل أصبحت إحدى أهم أدوات القوة الناعمة للمملكة المغربية، فهي التي تجعل المغاربة يتوحدون حول القضايا الكبرى، وتدفعهم إلى رفع راية بلادهم في مختلف القارات، وتمنح المغرب صورة بلد متجذر في تاريخه ومنفتح على العالم في الوقت نفسه.
ومن هنا يمكن القول: “من لا يعرف المغاربة، لا يعرف المغرب”. فالمغرب ليس فقط أرضا وتاريخا ومؤسسات، بل هو شعب استثنائي أثبت عبر القرون أن الانتماء الحقيقي للوطن قادر على صناعة المعجزات، وعلى تحويل كل نجاح إلى لحظة جماعية من الفخر والاعتزاز تتجاوز الحدود والجغرافيا.
ح/ح

