حسمت المحكمة الابتدائية بمدينة تمارة، ابتدائيا، واحدا من أكثر الملفات إثارة للجدل على منصات التواصل الاجتماعي خلال الأسابيع الأخيرة، بعدما قضت بإدانة صانع المحتوى المعروف بلقب “بن نسنس” بثمانية أشهر حبسا نافذا، وغرامة مالية قدرها 20 ألف درهم، على خلفية شريط فيديو أثار موجة واسعة من الغضب والاستنكار داخل الفضاء الرقمي المغربي.
ووفق المعطيات المتداولة، قررت المحكمة، في المقابل، رفض المطالب المدنية التي تقدمت بها جمعية انتصبت طرفا مدنيا في الملف.
القضية التي بدأت بمقطع فيديو منشور على منصة “يوتيوب” لم تبق حبيسة النقاش الافتراضي، بل انتقلت بسرعة إلى مسار قضائي، بعدما أثار مضمون الشريط ردود فعل قوية، بسبب ظهور المعني بالأمر، وفق المعطيات المنشورة، في مشاهد مرتبطة بطهي كلب نافق، تزامنا مع أجواء عيد الأضحى، وهو ما اعتبره عدد كبير من المتابعين استفزازا للمشاعر العامة ومسا بالقيم الدينية والأخلاقية.
وكانت النيابة العامة لدى المحكمة الابتدائية بتمارة قد قررت متابعة صانع المحتوى في حالة اعتقال وإيداعه السجن المحلي العرجات 1، على خلفية الاشتباه في ارتكابه أفعالا اعتبرت ذات طابع جرمي.
وأشارت تقارير إعلامية إلى أن المتابعة شملت تهما من بينها الإساءة إلى الدين الإسلامي، والتهديد بارتكاب جناية، وبتر حيوان، إلى جانب أفعال أخرى عرضت على أنظار القضاء.
وبصدور الحكم، تكون المحكمة قد قالت كلمتها في المرحلة الابتدائية من الملف، دون أن يعني ذلك نهاية المسار القضائي بشكل نهائي، ما دام الحكم يبقى قابلا للطعن وفق الآجال والمساطر القانونية الجاري بها العمل.
ولم يكن حجم التفاعل الذي أثارته القضية مرتبطا فقط بمضمون الفيديو، بل أيضا بتوقيته وسياقه وطبيعة المنصة التي نشر عليها. فصناعة المحتوى في المغرب توسعت بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، وأصبحت تمنح بعض المؤثرين قدرة واسعة على الوصول إلى جمهور عريض، لكنها في المقابل أعادت طرح سؤال حاد حول حدود الإثارة، والفرق بين المحتوى الصادم والمحتوى الذي قد يضع صاحبه تحت طائلة القانون.
القضية أعادت إلى الواجهة سؤالا أصبح أكثر إلحاحا داخل الفضاء الرقمي: هل يمكن لصانع المحتوى أن يبرر أي مشهد أو سلوك بدعوى البحث عن المشاهدات؟ وهل تحولت المنصات الرقمية إلى فضاء بلا حدود، أم أن القانون يظل حاضرا متى خرج المحتوى من دائرة التعبير إلى دائرة الأفعال التي قد تكون موضوع مساءلة قضائية؟
وردود الفعل التي رافقت انتشار الفيديو كشفت بدورها أن الجمهور الرقمي المغربي لم يعد مجرد متلق سلبي، بل أصبح يتفاعل ويستنكر ويدفع أحيانا نحو فتح نقاش عمومي حول طبيعة المحتوى المنشور، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمواضيع تمس الحيوانات أو الدين أو الكرامة الإنسانية أو النظام العام.
كما أعاد الملف إلى الواجهة النقاش حول حماية الحيوانات من العنف وسوء المعاملة، ومدى كفاية المقتضيات القانونية الحالية لمواجهة الأفعال التي قد تستهدفها، خاصة في ظل تحول بعض المشاهد الصادمة إلى وسيلة لجذب الانتباه وحصد المشاهدات على المنصات الرقمية.
غير أن القضية، في نظر جزء واسع من الرأي العام، تجاوزت مجرد سؤال الاعتداء على حيوان، بعدما ارتبط الفيديو بسياق ديني واجتماعي حساس، وبطريقة نشر جعلت الواقعة تنتشر بسرعة وتخرج من حدود الفعل الفردي إلى نقاش عام حول المسؤولية الرقمية وحدود ما يمكن نشره باسم الشهرة أو البحث عن التفاعل.
وكانت المصالح الأمنية قد أوقفت المعني بالأمر بمدينة مرتيل، وفق المعطيات المتداولة، بعد صدور مذكرة بحث وطنية في حقه على خلفية انتشار الفيديو. وبعد توقيفه، جرى تقديمه أمام النيابة العامة المختصة بمدينة تمارة، التي قررت متابعته في حالة اعتقال وإيداعه السجن المحلي العرجات 1.
ويعكس انتقال القضية من النشر إلى التوقيف ثم المتابعة والمحاكمة حساسية الملفات التي تخرج من المنصات الرقمية إلى المجال القضائي، خاصة عندما يكون المحتوى واسع الانتشار ويثير ردود فعل قوية داخل المجتمع.
وفي عمقها، لا تتوقف القضية عند شخص “بن نسنس” وحده، بل تعيد طرح مسؤولية صناع المحتوى وحدود البحث عن الانتشار. فالمنصات الرقمية، رغم ما تتيحه من حرية في التعبير وفرص للشهرة والربح، ليست فضاء خارج القانون، كما أن السعي إلى رفع نسب المشاهدة لا يعفي صاحب المحتوى من تحمل تبعات ما ينشره.
فالخطأ في زمن الإنترنت لم يعد محدود الأثر. مقطع يصور في دقائق وينشر بضغطة واحدة قد يتحول إلى قضية رأي عام، ثم إلى ملف قضائي، خصوصا عندما يتضمن مشاهد أو عبارات أو أفعالا يرى القضاء أنها قد تدخل ضمن دائرة التجريم.
ومن هنا، فإن الحكم الابتدائي الصادر في هذا الملف قد يفتح نقاشا أوسع حول ضرورة تأطير صناعة المحتوى، ليس بمنطق التضييق على حرية التعبير، وإنما بمنطق ربط حرية النشر بالمسؤولية، وحماية المجتمع من تحويل الصدمة والاستفزاز إلى وسيلة للانتشار وجمع المشاهدات.

