تتجه المملكة المغربية والجمهورية الفرنسية ، إلى فتح صفحة جديدة في علاقاتهما الثنائية من خلال إعداد معاهدة صداقة متميزة من المرتقب أن تشكل الإطار المرجعي للتعاون بين البلدين خلال العقود المقبلة، في تحول يعكس الإرادة المشتركة لإرساء علاقة قائمة على الندية والتكافؤ والمصالح الاستراتيجية المتبادلة.
وبحسب معطيات إعلامية جادة، فإن التوقيع الرسمي على المعاهدة الجديدة يرتقب أن يتم خلال الزيارة الرسمية المنتظرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس إلى فرنسا قبل نهاية السنة الجارية، بعد استكمال المشاورات التقنية والسياسية بشأن الصيغة النهائية للاتفاق.
وتهدف المعاهدة إلى تجاوز الإطار الذي حكم العلاقات المغربية الفرنسية منذ اتفاق “لا سيل سان كلو” الموقع سنة 1955، والذي مهد لعودة جلالة المغفور له الملك محمد الخامس من المنفى، قبل إعلان استقلال المغرب سنة 1956. وبعد مرور سبعة عقود على ذلك الاتفاق، يرى البلدان أن التحولات الدولية والإقليمية تفرض بناء شراكة جديدة تعكس مكانة المغرب وفرنسا كشريكين استراتيجيين يجمعهما تاريخ مشترك ورؤية متقاربة تجاه العديد من القضايا الدولية.
وترتكز المعاهدة الجديدة على أربعة محاور أساسية تشمل الاقتصاد والصناعة، والتعاون الأمني والعسكري، والثقافة والفرنكوفونية، إضافة إلى التنسيق السياسي والجيوستراتيجي.
فعلى المستوى الاقتصادي، تشير المعطيات إلى أن فرنسا تعتزم تعزيز استثماراتها في المغرب، خاصة في القطاعات الصناعية ذات القيمة المضافة، وفي مقدمتها صناعة السيارات، والصناعة السككية، والنقل البحري، والصناعات الدفاعية، مع التركيز على نقل التكنولوجيا الحديثة وتطوير القدرات الإنتاجية المغربية وتعزيز تنافسيتها في الأسواق الدولية.
وفي المقابل، يرتقب أن يمنح المغرب امتيازات إضافية للشركات الفرنسية في عدد من المشاريع الاستراتيجية، لاسيما في مجالات البنيات التحتية، والنقل، والطاقات المتجددة، والصناعات المرتبطة بالدفاع، فضلاً عن توفير حوافز استثمارية وضريبية من شأنها تعزيز الحضور الاقتصادي الفرنسي بالمملكة.
ويحظى التعاون الأمني والعسكري بمكانة محورية في المعاهدة، حيث تتجه الرباط وباريس إلى توسيع شراكتهما في مجالات الدفاع، من خلال نقل جزء من التكنولوجيا العسكرية الفرنسية إلى المغرب، بما يتيح تطوير صناعة عسكرية وطنية تشمل إنتاج المعدات الخفيفة والثقيلة، وأنظمة الطيران، والذخيرة، والعربات العسكرية والمدرعات.
كما تتضمن الرؤية الجديدة توسيع برامج التدريب العسكري المشترك، وتعزيز التنسيق بين المؤسستين الأمنيتين وأجهزة الاستخبارات في البلدين، بما يمكنهما من مواجهة التحديات الأمنية المشتركة، خاصة في منطقة الساحل وغرب إفريقيا.
وفي الشق الثقافي، تسعى فرنسا إلى الحفاظ على المكانة المتميزة للغة الفرنسية داخل المنظومة التعليمية والإدارية والاقتصادية المغربية، في مواجهة التوسع المتزايد للغة الإنجليزية باعتبارها لغة الأعمال والاقتصاد العالمي.
ولهذا الغرض، يرتقب توسيع فرص ولوج الطلبة المغاربة إلى الجامعات الفرنسية، مع تعزيز شبكة المعاهد الثقافية الفرنسية بالمغرب، وتوسيع حضور المدارس الفرنسية الدولية، بما في ذلك إنشاء مؤسسات تعليمية جديدة، خاصة بالأقاليم الجنوبية للمملكة.
غير أن هذا الملف يظل من أكثر القضايا حساسية في المفاوضات، بالنظر إلى توجه المغرب نحو تنويع شراكاته الدولية واعتماد الإنجليزية بشكل متزايد في القطاعات الاقتصادية والعلمية والانفتاح على شركاء دوليين جدد.
أما على المستوى السياسي والجيوستراتيجي، فتشير المعطيات إلى أن باريس ستواصل دعمها للمواقف المغربية داخل مجلس الأمن الدولي، وعلى رأسها مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أساساً لتسوية قضية الصحراء المغربية، مع تعزيز الدفاع عن المصالح المغربية داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، خاصة في الملفات المتعلقة بالفلاحة والصيد البحري.
كما تتضمن المعاهدة، بحسب المصادر ذاتها، تسهيل ولوج المغرب إلى جزء من الأرشيف الفرنسي المرتبط بفترة الحماية والحدود التاريخية للمملكة، بما يعزز التعاون التاريخي والأكاديمي بين البلدين.
وفي المقابل، تراهن فرنسا على تعزيز حضورها في غرب إفريقيا عبر شراكة أوثق مع المغرب، مستفيدة من الموقع الجيوستراتيجي للمملكة وشبكة علاقاتها الاقتصادية والاستثمارية الواسعة داخل القارة الإفريقية، في ظل سعي باريس إلى استعادة جزء من نفوذها الذي عرف تراجعاً خلال السنوات الأخيرة.
وتأتي هذه المعاهدة المرتقبة امتداداً للدينامية الجديدة التي شهدتها العلاقات المغربية الفرنسية عقب الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى المغرب في أكتوبر 2024، والتي توجت بإعلان “الشراكة الاستثنائية المعززة” بين البلدين، فاتحة مرحلة جديدة من التعاون السياسي والاقتصادي والأمني.
وينتظر أن يشكل التوقيع على معاهدة الصداقة الجديدة محطة تاريخية في مسار العلاقات الثنائية، تؤسس لشراكة أكثر توازناً وتكاملاً، وتستجيب للتحولات الإقليمية والدولية، بما يعزز موقع المغرب كشريك استراتيجي رئيسي لفرنسا خارج الاتحاد الأوروبي، ويكرس في المقابل مكانة فرنسا كأحد أهم الحلفاء الاستراتيجيين للمملكة.

