سعيدة الحيحي: أظهرت دراسة حديثة أن التصرف الانتخابي في المغرب يمثل ظاهرة مركبة وممتدة تتجاوز لحظة الاقتراع لتشمل المعرفة والوعي والتسجيل والمشاركة والاختيار وإنتاج التمثيل، ثم متابعة أداء المؤسسات والمنتخبين وتقييمه ومساءلتهم، وصولا إلى بناء الثقة أو تراجعها والاستعداد للمشاركة في الاستحقاقات اللاحقة.
وأوضح الجامعي عبدالله أبو إياد الباحث في علم النفس الجنائي وعلوم التربية والقانون وحمزة البويحياوى الأستاذ الباحث في علم الاجتماع صاحبا هذه الدراسة بعنوان ” الحكامة الانتخابية في الحياة السياسية المعاصرة – دراسة مقارنة – “، أن المعطيات الميدانية لها كشفت عن تنوع مواقف المواطنين تجاه التسجيل والمشاركة والأحزاب والمرشحين والنظام الانتخابي وتدبير العملية الانتخابية، مع بروز أهمية العوامل الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والثقافية والإعلامية في تشكيل هذه المواقف.
مركزية وسائل التواصل
ولاحظا في الدراسة، أن وسائل التواصل الاجتماعي تحتل موقعا بارزا في تداول المعلومات السياسية وتكوين المواقف، في حين ارتبطت الرغبة في التسجيل والمشاركة لدى جزء من المبحوثين بتحفظات تتصل بالثقة في المؤسسات وبالإحساس بقدرة المواطن على التأثير في القرار العمومي.
وكشفت النتائج التي توصلت إليها الدراسة كذلك عن تفاوت في مستوى المعرفة بالقواعد والقوانين الانتخابية، ووجود انتقادات لبعض طرق اختيار المرشحين والتزكيات الحزبية، إلى جانب اهتمام واضح بقضايا النزاهة والشفافية والحياد والكفاءة والاستقلالية والتمثيلية وربط المسؤولية بالمحاسبة. كما أفادت بأنه لم يظهر العزوف أو عدم التسجيل باعتبارهما رفضا مطلقا للانتخابات، وإنما ارتبطا في بعض الحالات بضعف الإحساس بجدوى المشاركة وفاعلية الصوت.
التمثيلية والفعالية
واستنتجت الدراسة بأن هناك الحاجة إلى تحقيق توازن بين توسيع التمثيلية وضمان فعالية
المؤسسات واستقرارها، خاصة في النقاش المتعلق بالعتبة الانتخابية، حيث تؤكد هذه المعطيات أن المواطن يقيم الانتخابات من خلال سلامة إجراءات التصويت، ومن خلال المؤسسات التي تنتجها الانتخابات، وقدرتها على ممارسة اختصاصاتها والاستجابة للمطالب العامة.
وفي هذا الصدد خلصت الدراسة إلى أن ذلك هو ما يجعل وضوح الاختصاصات عنصرا أساسيا في بناء المشاركة الواعية والمساءلة الفعالة، لأن غموض المسؤوليات قد يؤدي إلى تحميل المنتخبين ما يتجاوز صلاحياتهم أو توجيه المساءلة إلى غير الجهة المختصة.
الموقف من الانتخابات
وعلى ضوء هذه النتائج أكدت الدراسة، على مسألة العزوف، تكتسب دلالة تتجاوز التفسير الذي يختزله في اللامبالاة أو السلبية أو فقدان الاهتمام بالشأن العام، حيث أن الاتجاهات التي عبرت عنها عينة الدراسة، توحي بأن ما قد يسمى بالعزوف يمكن، في بعض الحالات، قراءته باعتباره موقفا من العملية الانتخابية نفسها، تَشكل في سياق تراكمي من الشكوك المرتبطة بجدوى التصويت، وبمدى قدرة الانتخابات على إحداث أثر ملموس في الحياة العامة.
ورجحت الدراسة في هذا المجال، بأن هذا الموقف لا ينفصل عن تساؤلات المواطنين حول العلاقة بين البرامج الانتخابية ونتائج صناديق الاقتراع، وحول مدى تحول الاختيار الانتخابي إلى سياسات وقرارات عمومية، فضلا عن تراكم تجارب وتقييمات سابقة.
ومن جهة أخرى أبرزت الدراسة أن بعض أفراد العينة، لم تفض إلى النتائج التي كانوا ينتظرونها، ومن ثم استنتج هذا العمل الميداني، بأن” عدم المشاركة لا ينبغي أن يقرأ، في جميع الحالات، بوصفه موقفا عدميا أو انسحابا من المجال السياسي، بل قد يعبر عن شكل من أشكال الاحتجاج الصامت أو التحفظ السياسي على شروط المشاركة ومخرجاتها، وعن ضعف الاقتناع بأن الصوت الانتخابي قادر، في صورته الحالية، على إحداث التغيير المنشود”.
ضعف الثقة
فهذه النتيجة تؤكد، أهمية التمييز بين العزوف الناجم عن اللامبالاة، والعزوف المرتبط بضعف الثقة، والعزوف الذي قد يعكس موقفا نقديا من فعالية العملية الانتخابية ومخرجاتها؛ ذلك أن معالجة كل حالة تقتضي تشخيصا مختلفا، ولا يمكن اختزال الظاهرة بمجرد رفع معدلات الإقبال على التصويت دون معالجة العوامل التي تؤثر في الإحساس بجدوى المشاركة، حسب ما جاء في الدراسة.
ومن جهة أخرى أفادت بأن قراءة فعالية الحكامة الانتخابية، تتحدد بنزاهة الاقتراع وإنتاج الشرعية، وبقدرة المؤسسات المنتخبة على تحويل هذه الشرعية إلى تمثيل فعال وأداء مسؤول وإنجاز قابل للتقييم والمساءلة. ومن هنا أوضحت أن السؤال ينتقل من “هل كانت الانتخابات نزيهة وشفافة؟” إلى سؤال أوسع يتعلق بما تنتجه الانتخابات من مؤسسات ومدى قدرتها على ممارسة اختصاصاتها وتحمل مسؤولياتها.
التربية الانتخابية
كما أظهرت الدراسة الدور المحوري للأحزاب السياسية في بناء العلاقة بين المواطن والانتخابات، مع تقييم مزدوج لأدائها بين أهمية المبادرات البرلمانية واللقاءات والتكوين من جهة، والحاجة إلى تعزيز وظائف التأطير والتثقيف والتواصل المستمر من جهة أخرى.
وتشمل نتائج الدراسة توظيفا يتجاوز التشخيص الأكاديمي إلى مجالات التربية والسياسة والمؤسسات والإعلام والثقافة والتنمية، مؤكد بأن الحاجة في المجال التربوي، إلى توسيع التربية الانتخابية من إجراءات التسجيل والتصويت إلى التربية على المواطنة والاختيار الواعي وفهم المؤسسات واختصاصاتها وآليات مساءلتها ، في الوقت الذى تفتح النتائج في المجال العلمي، أفقا أمام دراسات طولية ومقارنة ومتعددة التخصصات تدرس العلاقة بين المعرفة والمشاركة، وبين الأداء المؤسساتي والثقة، وبين الإحساس بفاعلية الصوت والاستعداد للمشاركة مستقبلا.
تقييم الأداء
كما تسمح بإعادة دراسة العلاقة بين الانتخابات والتنمية من خلال ربطها بقضايا التعليم والعمل والدخل وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد والشفافية وجودة الخدمات، مع تطوير مؤشرات لتقييم الأداء تراعي الاختصاصات والموارد الفعلية للمؤسسات المنتخبة.
وفي هذا السياق أوردت الدراسة أن الإعلام والفضاء الرقمي يكتسى أهمية متزايدة في شرح البرامج والخطابات، وربط الوعود بالاختصاصات، ومقارنة الالتزامات بالأداء، مع ضرورة تعزيز التربية الإعلامية والرقمية والقدرة على التحقق من المعلومات.
الانتخابات والديمقراطية
واعتبرت الدراسة أن النتائج التي توصلت إليها والآفاق التي تفتحها، تندرج ضمن تصور يجعل التصرف الانتخابي دورة ديمقراطية مستمرة تبدأ بالتنشئة والمعرفة والوعي، ثم التسجيل والمشاركة والاختيار، فإنتاج الشرعية والتمثيل، ثم ممارسة الاختصاصات والأداء والإنجاز، وبعدها المتابعة والتقييم والمساءلة، وصولا إلى بناء الثقة أو تراجعها، بما يؤثر بدوره في السلوك والاختيارات الانتخابية اللاحقة.
وبذلك لا تختزل الدراسة الانتخابات في كونها حدثا دوريا لإنتاج المؤسسات، بل تنظر إليها باعتبارها مسارا متواصلا لإدارة العلاقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة، حيث تكمن قيمتها العلمية والعملية في الانتقال من سؤال “كيف يصوت المواطن؟” إلى السؤال الأوسع: “ماذا يحدث بعد أن يصوت المواطن؟”، باعتبار أن الاختبار الحقيقي للحكامة الانتخابية يبدأ بعد إعلان النتائج، حين تصبح الشرعية مطالبة بالتحول إلى تمثيل فعال، وأداء مؤسساتي مسؤول، وإنجاز قابل للتقييم، وثقة قابلة للتجديد.
الانتخابات والانتظارات
وفي تقريرهما عن الدراسة أوضح الأستاذان أبوإياد والبويحياوى، بأن العمل الذي أنجزاه هما يأتي في سياق بحث علمي يرصد اتجاهات المجتمع المغربي وتمثلاته تجاه الانتخابات والحكامة الانتخابية، من خلال الانتقال من دراسة القواعد القانونية والمؤسساتية إلى النظر في المواطن باعتباره فاعلا أساسيا في إنتاج الشرعية السياسية وتقييم أداء المؤسسات المنتخبة. ولا تنطلق من حكم مسبق بشأن طبيعة الانتخابات المغربية أو مدى ديمقراطيتها، وإنما تبحث، اعتمادا على التأصيل النظري والمعطيات الميدانية، في كيفية ينظر المواطنين إلى أهداف الانتخابات وتنظيمها والجهات المشرفة عليها، ومدى ارتباطها بانتظاراتهم السياسية والاجتماعية، وعلاقتهم بالأحزاب والمرشحين والمؤسسات المنتخبة. وتندرج الدراسة ضمن مشروع أوسع حول الحكامة الانتخابية في الحياة السياسية المعاصرة، وتستفيد من المقارنة الدولية لتفسير خصوصية التجربة المغربية، من خلال نماذج انتخابية متعددة، إلى جانب دراسة الرقابة والطعون وتسوية المنازعات، بما يتجاوز اختزال فعالية الانتخابات في تحويل الأصوات إلى مقاعد، نحو بحث قدرتها على إنتاج تمثيلية فعالة وتمكين المواطن من التأثير في القرار العمومي ومتابعة ممثليه ومساءلتهم.
